نخبة من الأكاديميين
173
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العادي أو غير العادي تجاه المسلمين . فالتأثر بالزي وباللغة العربية التي أصبحت تستعمل في الشؤون الدينية اليهودية يدل أولا على الاطمئنان وثانيا على الود والشعور بالأمن في نظام حكم إسلامي يعتبر اليهود جزءاً من المجتمع وجزءاً من الأمة . وهذه أمور كان يحسها اليهود . ومما لاشك فيه لو كان الأمر عكس ذلك لما حدث هذا التأثير ولبقيت الطائفة اليهودية معزولة عن الاندماج في المجتمع . ولا شك أن اندماج اليهود بهذا الشكل نظر إليه من قبل المسلمين على أنه بادرة ود ساهمت في ازدياد الترابط بين الجانبين . وعلى هذا الأساس تم النظر إلى حياة اليهود بالأندلس على أنها عصر ذهبي . وبلغ هذا الشعور بالعيش المشترك ، أن أحد كبار تجار اليهود كانت تربطه علاقة ودية مع أحد وجوه أهل بربشتر « 1 » يعود إلى المدينة المنكوبة بعد أن استولى عليها المسيحيون من أجل " فدية بنات لبعض وجوه من نجا من أهلها " « 2 » . وقد عمل التاجر اليهودي جاهدا من أجل إقناع القومس ببربشتر بقبول أموال عظيمة ولكن دون جدوى « 3 » . لا يمكن أن ينبثق هذا النوع من المبادرة إلا من شخص يحب مجتمعه الذي يعيش فيه فاليهودي عبر بذلك عن الترابط الذي كان يجمعه بالمسلمين وهو بعمله هذا كان يقدر بلا شك الأعمال الجليلة التي قدمها المسلمون الحكام الجدد للأندلس لأفراد الطائفة اليهودية . ويبرز لنا على نحو أعمق الانتماء إلى المجتمع الإسلامي بالأندلس في ما قام به حسداي بن شبروط « 4 » الذي كانت له حظوة خاصة في بلاط عبد الرحمن الثالث الناصر « 5 » . بعث حسداي برسالة إلى زوجة الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع " يطلب فيها حماية يهود بيزنطة من الاضطهاد " « 6 » . ويوضح لنا عمل حسداي أمورا كثيرة عن حياة اليهود في الأندلس ويطلعنا على كيفية رؤية اليهود أنفسهم في المجتمع الأندلسي وعلى نظرتهم إلى المسلمين وعلى وضعهم . فما قام به حسداي لا ينبثق إلا عن أحد الرعايا الذي كان يشعر بقوة مجتمعه الذي يعيش فيه وقوة ورفعة السلطة السياسية التي ترعاه . وإن مركزه وهو أحد الرعايا مكنه من كتابة الرسالة لأنه يعيش في مجتمع يحفظ له حقوقه ويحميه . ورغم أنه ذمي فهو أحد أفراد الأمة الإسلامية التي لها حقوق وواجبات عليه . فلم يكن يشعر بالخوف أو بالازدراء بل يعيش في طمأنينة وكان مقربا من السلطة السياسية الأموية . ولاشك أن حسداي في كتابته للرسالة قارن بين الوضعية التي عليها يهود الأندلس وبين حالتهم في الإمبراطورية البيزنطية . فالدولة التي يعيش فيها دافعت عنه وحمته ورقته إلى مناصب عليا فقاده ذلك إلى التفكير في الدفاع عن أهل ملته الذين كانوا يعانون في الإمبراطورية البيزنطية . ولعل هذا الأمر يبرز لنا من جهة شكلا للعلاقة التي كانت بين اليهود وبين المسلمين في الأندلس وبين اليهود والحكام على وجه الخصوص ، ومن جهة أخرى يبرز فرصة التواصل التي تمكن اليهود من تحقيقها خلال الحكم الإسلامي بصفة عامة بين أبناء الدين اليهودي . وهو ما ساهم في تطوير معارفهم وانفتاحهم على بعضهم البعض « 7 » . وعلينا عند الحديث عن حسداي بن شبروط ألا نركز فحسب على حظوته في بلاط عبد الرحمن
--> ( 1 ) - بربشتر إحدى المدن الكبيرة التي تقع شمال شرق الأندلس وأضحت في مرمى الهجمات المسيحية عندما تمزقت عرى الأندلس خلال حكم الطوائف . استولى عليها المسيحيون سنة 452 ه - وهو ما تمت الإشارة إليه في هذا المقام ، ثم استردها المسلمون سنة 457 ه - ثم سقطت في يد المسيحيين . وكان ما حدث للمدينة عندما استولى عليها المسيحيون سنة 452 ه - من أفظع وأشنع ما تعرض له المسلمون في الأندلس ، انظر ابن بسام ، الذخيرة ، ق 3 م 1 ، 181 - 190 ؛ ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، مادة " بربشتر " ؛ ابن عذاري البيان ، ج 3 ، ص 225 - 228 ؛ وكذلك ما يقدمه حسين مؤنس في ابن الأبار محمد بن عبد الله بن أبي بكر ، الحلة السيراء ، حققه حسين مؤنس ، القاهرة ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة ، الهامش 2 ، ص 247 . ( 2 ) - ابن بسام ، الذخيرة ، ق 3 ، م 1 ، ص 186 . ( 3 ) - نفسه ، ق 3 ج 1 ، ص 186 - 188 . ( 4 ) - هو أبو يوسف حسداي بن إسحاق بن شبروط الجياني ثم القرطبي من أشهر يهود الأندلس نال حظوة خاصة عند الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر وعند ابنه الحكم المستنصر . وكلف في البلاط الأموي بالميدان الطبي وبالشؤون الدبلوماسية ، وساهم في تدبير بعض أمور الدولة . ولأهمية حسداي بن شبروط في تاريخ يهود الأندلس وللخدمات التي أسداها لليهود خصص له Eliahu Ashtor جميع الفصل الخامس من كتابه The Jews of Muslim Spain , transl . by Aaron Klein and Jenny Machlowitz Klein , Philadelphia , 1984 , 3 vol . T . 1 , p . 155 - 227 . ، وانظر ما يقدمه عنه أبو هارون ( موشه بن عزرى ) ، كتاب المحاضرة والمذاكرة ، اعتنت بنشره وترجمته منتسرات أبو ملهم ، جزءان ، مدريد ، المجلس الأعلى للأبحاث العلمية ، 1975 ، ج 1 ، ص 62 - 63 . ( وانظر كذلك Palaez del Rosal Jesus ( 1991 ) , Hasdai Ibn Shaprut in The Court of Abd - AR - Rahman III , in The Jews in Cordoba X - XII , Cordoba p . 61 - 77 ; ( 5 ) - هو الأمير ثم الخليفة الأموي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ( 300 ه - - 350 ه - / 912 - 961 م ) . اتخذ لقب أمير المؤمنين الناصر لدين الله يوم الجمعة 1 ذو الحجة 316 / يناير 929 م ، واستطاع خلال خمس وعشرين سنة من حكمه أن يوحد الأندلس تحت سلطته وترك لابنه الحكم المستنصر بلادا موحدة ؛ انظر على سبيل المثال : الضبي أحمد بن يحيى ، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس ، دار الكتاب العربي ، 1967 ، ص 17 ؛ ابن الأبار ، الحلة السيراء ، ج 1 ص 197 - 200 ؛ ابن عذاري ، البيان ، ج 2 ، ص 156 - 233 ؛ ابن سعيد ، المغرب ، ج 1 ص 181 - 186 ؛ عنان ( 1969 ) دولة الإسلام في الأندلس الخلافة الأموية والدولة العامرية ، القاهرة مكتبة الخانجي ، الطبعة الرابعة . ( 6 ) - شاندلين ( 1998 ) ص 304 . ( 7 ) - صاعد ، ص 277 ؛ Wasserstein ( 2002 ) , Langues , p . 10 - 11 .