نخبة من الأكاديميين

17

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الدينية والاجتماعية ، كما سبقت الإشارة . . فقد استمرت سفنهم تتردّد منتظمة على مرافئها ، دون استبعاد وجود جاليات رومانية فيها ، على غرار ما شهدته بعض موانئ الهند « 1 » في ذلك الحين . وهكذا فإن الواقع الاقتصادي ، كان في أساس اهتمام الإمبراطور الروماني بشبه الجزيرة العربية ، وهو ما تجلى أيضاً في سياسات خلفائه ، إلا أن هؤلاء الذين تفادوا ركوب مثل هذه المغامرة ، لم يُشكّل ذلك إرباكاً لخططهم التوسعية التي بلغت مداها في السيطرة الكاملة على حوض البحر المتوسط ، بسقوط سورية ، بعد أقل من قرن على يد الإمبراطور بومبي ( 64 م ) حيث أغنتهم أسواقها الكبرى عن مشقّة الإبحار إلى مصادر السلع التي احتاجوا إليها . وكان الاستقرار الذي نعمت به سورية ، بعد اضطرابها عموماً زمن السلوقيين ، قد ترافق مع تغيرات مهمة على صعيد حركة التجارة ، وذلك مع نمو طريقها البرية منذ القرن الثاني الميلادي . فمن « تمنع » عاصمة قتبان ( إحدى دويلات اليمن ) ، كانت البداية أو مقدماتها ، حيث باتت الأخيرة خزّاناً للبضائع المستوردة والمحلية ، المحمولة عبر القوافل البريّة شمالًا إلى مكة ، التي أخذت تتشكّل في وقت لاحق ، محطّةً أساسية في تلك الحركة ، قبل أن يُعاد تصورها بواسطة محطات آخرى ، أُنشئت لتسهيل مرور القوافل باتجاه الأسواق السورية « 2 » . وتصبح التجارة حينئذٍ السمة البارزة لعلاقة شبه جزيرة العرب ، بالقوى السياسية الغربية المهيمنة على حوض البحر المتوسط ، ولكنها في النهاية ليست مقفلة على السلع والأرباح فحسب ، بل كانت محالًا لتبادل الأفكار والاحتكاك بالتيارات الثقافية والدينية ، مما يُسقط الرأي عن عزلتها وانكفائها إلى عالمها الاقتصادي البحت ، فلقرونٍ عشرةٍ على الأقل قبل الميلاد ، أخذت تترسّخ الهوية العربية للمجموعات المقيمة في شبه الجزيرة ، متزامنة بصورة خاصة مع نشوء الممالك في جنوبها ، بأنظمتها السياسية والدينية وعلاقاتها الخارجية . وإذا أغفلنا الجانب المتعلّق بدور العرب في تداعيات المنطقة السورية ، في ظلّ تعاقب القوى الشرقية التوسعية ، وهو دور نلحظه على سبيل المثال في انضمام فريق منهم بقيادة « جندبو » إلى ملك دمشق فيم عركة قرقر ( على العاصي ) ، ضد الملك الآشوري شلمناصر « 3 » ، وفي موقفهم العدائي من العبريين في العصر الفارسي « 4 » ، فإن العلاقة مع القوى الغربية ، هي ما يهمنا في هذه الدراسة ، بدءاً من الهند المتأغرق بعد انهيار إمبراطورية الإسكندر . فقد أسس القائد المقدوني ، لما نهج عليه خلفاؤه السلوقيون ( سورية ) الذين كانت لهم صلات ، عبر العراق ، بميناء « جرها » - أحد أهم مراكز التجارة العربية على الخليج حيث عقدوا اتفاقاً معه لتأمين احتياجاتهم من التوابل والطيوب « 5 » . . كما نهج على ذلك ، ولكن بصورة أكثر فعالية ، البطالمة في مصر ، متخذين من البحر الأحمر الواقع تحت سيطرتهم ، وسيلة اتصال مع العرب الجنوبيين . وكان التنافس على أشدّه بين الدولتين المتأغرقتين لإحتكار التجارة ، إذ حرص البطالمة على تكريس طريق البحر الأحمر على حساب الطريق البريّة التي يشجعها ، عبر البتراء ، السلوقيون ، مما كان يؤدي إلى اعتراض القوافل غير الحليفة عليها « 6 » . ولم ينجح البطالمة في القضاء على دور البتراء ( حاضرة الأنباط ) التي أمسكت حينذاك بزمام الطريق

--> ( 1 ) جورج فضلو الحوراني ، العرب والملاحة في المحيط الهندي ص . 75 . ( 2 ) Rene Dussaud , La penetration des Arabes en Syrie avant l'Islam . P . 48 ( 3 ) جواد علي ، المرجع السابق ج . 1 ص . 16 . ( 4 ) لطفي عبد الوهاب يحيى ، العرب في العصور القديمة ص . 373 382 . ( 5 ) صالح أحمد العلي ، محاضرات في تاريخ العرب ص 36 ، ( 6 ) لطفي عبد الوهاب ، المرجع السابق ص . 398 - 399 .