نخبة من الأكاديميين
157
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
أكثر تفوقا " عسكريّا " من الأندلسيّين الذين كانوا في هذا المجال أدنى من جيرانهم الشماليّين ، وهذا ما يُفسّر لماذا كانوا دائما " مُهدّدين من الاتجاهَين . أما في مجال الوظائف الرسمية ، فقد عمل الكتبة والموظفون المستَعربون في بلاط بعض ملوك الطوائف كالمعتمد بن عباد ، وكذلك كانت الحال في بلاط ألفونسو السادس حيث لم يكن في وسع أحد من غير المستعربين أن يكتب رسائله الشهيرة إلى المعتمد بن عباد الذي وصف ألفونسو بالإمبراطور ذي الملّتَين ملمّحا إلى مُطالبته بكامل الأراضي الأندلسيّة . وكانت تلك النصوص التاريخيّة الأندلسيّة أكثر واقعية من حيث وصفها للظروف المريرة للمسلمين الأندلسيّين في مُواجهاتهم السياسيّة والعسكريّة للتقدّم العسكري المسيحي في الأراضي الأندلسيّة المسلمة . تُشير كتب السيِّر إلى فرار رجل أندلُسي من قرطبة إلى إشبيليا قبيل احتلالها من المسيحيّين ، ثم فرّ من إشبيليا قبيل احتلالها بعد ذلك بعقد ، وظل يفرّ كلما تقدّم الجيش المسيحي حتى انتهى به المطاف في جَيّان . حدث ذلك كله على مدى جيل واحد . وتَصف كُتب السيِّر أيضا " تقدّم جيش الاسترداد النصراني في الداخل الإسلامي بمفردات شعريّة كالقول مثلا " إنه « بحر من الصلبان » ويعكس هذا التصادم بين الملوك المسيحيّين وبعض ملوك الطوائف الوجه المرير للعلاقات الإسلاميّة المسيحيّة ، في أوقات الحرب . وعندما هاجم ألفونسو السادس طليطلة التي احتلّها في النّهاية ، عانى سكّان هذه المدينة المسلمون كثيرا " . ولقد أدّى الحصار الذي فرضه Rodrigo Diaz الملقب ب - « السيد » على بلنسية إلى بعض المشاهد الدراميّة ، فالمجاعة التي ضربت المدينة بفعل الحصار أدّت إلى ارتفاع هائل في الأسعار لا يمكن السيطرة عليه ، حيث بلغ سعر الفار درهم فضّة . أمّا الذين قُبض عليهم وهم يُحاولون الفرار ، فقد خَضعوا لأشكال مُرعبة من التعذيب إذ خُصيَ البعض منهم بينما كُسرت عظام أرجل البعض الآخر أو أُقتلعَت أعينهم . وعندما استسلمت هذه المُدن نتيجة مُفاوضات طويلة ، أخلّ المُنتصرون بعهودهم . فعندما احتلّ ألفونسو السادس طليطلة مثلا ، أخلّ مباشرة " بوعده احترام حق المسلمين الأندلسيّين بحُريّة العبادة ، وذلك بتحويل جامع طليطلة الكبير إلى كاتدرائيّة . ولقد وُصف هذا المشهد الدارمي من قبَل ابن بسّام الذي كان مُعاصرا " لتلك الفترة ، إذ انتظر جيش ألفونسو السادس خارج المسجد كي لا يُقاطع طالبا " يقرأ يأت من القرآن أمام أستاذه « 1 » . وعندما استسلمت بلنسية إلى Rodrigo Diaz الملقب ب - « السيد » ، أمر بحرق الفقيه الأندلسي ابن جحاف الذي قاد المُقاومة ضده ، مع نسائه وأولاده أحياء " أمام الملأ . إلّا أنّه تمّ العفو عن النساء والأولاد . أمّا ابن جحاف فطُمر حتى خصره في ساحة عامّة وأُحرق حيّا " أمام الناس « 2 » . ولقد تمّ وصف مشاهد مُماثلة في بعض الوثائق الأندلسيّة كما في وصف الفقيه الوزّاني لهجمات الفايكنغ ( Viking ) على الجزء الشرقي للأندلس « 3 » . الحقيقة أنّ هذه المشاهد المُرعبة هي التي سادت في كل الحروب بصرف النظر عن ديانة المُحاربين .
--> ( 1 ) - ولد يقرأ القرآن في طليطلة فيما الجيش ينتظر ( 2 ) - ابن الجحاف يحرق حيا في بالنسيا ( 3 ) - الفايكنغ يهاجمون شرق الأندلس