نخبة من الأكاديميين

117

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الوجود الإسلامي في كل مدينة على حدة . أما روايته حول مسلمي الجزيرة بصفة عامة فقد ورد أثناء حديثه عن غلبة النصارى عليها حيث قال : « والمسلمون معهم على أملاكهم وضياعهم ، وقد أحسنوا السيرة في استعمالهم واصطناعهم ، وضربوا عليهم إتاوة في فصلين من العام يؤدونها ، وحالوا بينهم وبين سعة الأرض التي كانوا يجدونها ، والله عز وجلّ يصلح أحوالهم » « 1 » . يشي هذا النص بأن الأقلية الإسلامية في صقلية عموما بقيت على الأراضي التي كانت في ملكيتها ، مقابل ضريبة ريعية كانوا يؤدونها مرتين في السنة ، إلا أنه يبدو ومن خلال عبارة : « حالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها » ، أن ملكيتهم للأرض لم تعد ملكية خاصة ، وإنما ملكية استغلال ، وأن المالك المباشر هم النصارى . ومن خلال نصوص رحلة ابن جبير يمكن الوقوف على أهم المدن التي كانوا ينتشرون فيها . ففي مدينة مسينة ، يبدو أن عددهم كان ضئيلا بدليل قول صاحب الرحلة : « وليس في مسينة هذه من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن ، ولذلك يستوحش بها المسلم الغريب » « 2 » . وللأسف فإنه لم يوضح طبيعة المهن التي كان يحترفها هؤلاء المسلمون ، وإن كنا نرجح أنهم كانوا يستخدمون في المراكب والمهن التجارية بدليل ورود النوازل حولها « 3 » . وبالمثل كانت مدينة شفلودي تضم طائفة من المسلمين كذلك ، وهي فئة لم يأت ابن جبير بصددها بتفاصيل تذكر « 4 » . ولم تكن مدينتا علقمة وانطرابنش أكثر حظا في وصف الرحالة الأندلسي الذي اكتفى بعبارات سريعة يشير فيها إلى وجود جالية إسلامية بها . وعند حديثه عن مدينة ثرمة يشير إلى وجود مقبرة للمسلمين تبعد عن المدينة بحوالي فرسخ ، مما يشي بوجود طائفة من المسلمين في هذه المدينة كذلك « 5 » . غير أن ما يسترعي الانتباه هو أن حديثه عن المسلمين في هذه المدينة جاء مقرونا بإقامتهم في مناطق زراعية ، مما يدل على امتهانهم حرفة الزراعة ، يقول ابن جبير عن قرية علقمة « وسكانها وسكان هذه الضياع التي في هذه الطريق كلها مسلمون » . وعن مدينة انطرابنش يقول : إنها « على محرث عظيم ، وسكانها المسلمون والنصارى » « 6 » . والراجح أن معظم المسلمين أقاموا بمدينة بلرمة المعروفة أيضا باسم المدينة التي كانت عاصمة النورمان بدليل قول ابن جبير « وفيها سكنى الحضريين من المسلمين وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها » « 7 » ، ويفهم من النص الأخير أن الأقلية المسلمة كانت تسكن في الحواضر والبوادي ، وأن الأغلبية منهم كانت - كما تشي بذلك العبارة الأخيرة من النص - تقيم في القرى . أما سكان المدينة ( ونعني مدينة بالرمو ) من المسلمين فقد كانوا يقيمون في ضواحي هذه المدينة أو في أرباضها ، بعيدين عن النصارى . كما أن بعضهم كانوا يسكنون في فنادق خاصة تنتشر في وسط المدينة « 8 » ، وكان معظمهم يشتغل في التجارة « 9 » . وتكشف نصوص الرحلة عن وجود مساجد ومحاضر إسلامية لتعليم الصبيان القرآن ، وعن زعيم يترأسهم يدعى القائد أبو القاسم بن حمود المعروف أيضا بابن حجر ، وهو الزعيم الذي التقى به ابن جبير في مدينة أطرابنش ووقف على حالته النفسية المنهارة نتيجة للوضعية السيئة التي كان يعيشها المسلمون ، رغم أن بيته كان - حسب رواية ابن جبير - من

--> ( 1 ) رحلة ، ص 266 . ( 2 ) نفس المصدر والصفحة . ( 3 ) وردت عدة نوازل حول سفر بعض المسلمين إلى صقلية وعدم عودتهم إلى زوجاتهم ومنها رجل سافر إلى صقلية وغاب عن زوجته مدة خمس سنين ، أنظر : الونشريسي : المعيار المعرب ، نشر وزارة الأوقاف المغربية ، الرباط 1983 ، ج 3 ص 124 - 311 - 313 - 314 . ( 4 ) رحلة ، ص 270 . ( 5 ) نفسه ، ص 271 . ( 6 ) رحلة ، ص 274 - 275 . ( 7 ) نفسه ، ص 267 . ( 8 ) نفسه ، ص 274 . ( 9 ) هذا ما تؤيده نوازل الونشريسي الذي أورد عددا من النوازل حول التجار المسلمين الذين يسافرون إلى صقلية ولا يعودون ، أنظر : ج 3 ، ص 313 - 314 .