نخبة من الأكاديميين
108
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المتبادلين كانا أقوى من مشاعر العداء على الجانبين ؛ فقد تحدث الرحالة المسلم ابن جبير الذي زار المنطقة في أكثر فترات الحروب الصليبية سخونة عن أن « أهل الحرب في حربهم ، وأهل التجارة في تجارتهم » . أما على الجانب الآخر فكان التجار الإيطاليون يرون أنهم إيطاليون أولًا ، ثم مسيحيون ثانيًا ، وكانت دفاترهم تفتتح بعبارة « باسم الربح وباسم الرب » . لقد كانت التجارة والرحلة من أنجع الوسائل المعرفية بالآخر ، مثلما كانت الحرب أيضًا وسيلة معرفية ناجعة وفعالة . فقد عرف المسلمون « الفرنج » من خلال الحرب على نحو ما تكشف مذكرات أسامة بن منقذ ، وكتابات ابن شداد ، والإصبهانى ، وأبوشامة ، وابن واصل ، وغيرهم من المؤرخين المسلمين ، كما على نحو ما تكشف عنه كتابات فوشيه الشارتري ووليم الصوري ، وجاك دي فيتري ، وغيرهم من الصليبيين الذين عايشوا المسلمين عن قرب وعرفوا عنهم قدرًا كبيرًا من الحقائق . فقد شكا جاك دي فيتري مثلًا من أن الفرنج تعلموا الكثير من ممارسات المسلمين الثقافية ، ونقلوا عنهم مظاهر الرقي والتقدم ، وهذا ما أكدته كتابات أسامة بن منقذ في كتابه « الاعتبار » . حقاً كانت الحروب الصليبية حربًا مثل أية حرب أخرى ، كما أن تلك الحروب قد ألهبت المشاعر العدائية على الجانبين بالفعل ، غير أنها كشفت أيضاً لكل من الجانبين أن « الآخر » إنسان ، وأنه يحمل من الخصائص والخصال الإنسانية الحقيقية ما يجعل إقامة العلاقات به أمراً ممكناً . ومن المؤكد أن المصادر التاريخية لم تسجل مظاهر التفاعل الإنساني كافة بين الجانبين . ومن المؤكد أيضاً أن انتقال أنماط السكن ، وطرز الملابس ، وقوائم الطعام التي تحدثت عنها على استحياء المصادر التاريخية التقليدية ، كانت في مثابة الجزء الظاهر فقط من جبل الجليد . فالناس في حياتهم اليومية لا يكونون على الدوام أسرى الأفكار والرؤى الإيديولوچية التي يروجها أبناء النخبة الذين يربطون أنفسهم عادة بمصالح الحكم وطموحاته ، وإنما يبحث الناس عن ما ينفعهم . ولاشك في أن ما حدث في مناطق الحدود والثغور على أطراف أوروبا والعالم الإسلامي يؤيد هذا ويدعمه . لقد كان سكان مناطق الحدود بين « دار الإسلام » و « العالم المسيحي الغربي » مزيجًا مختلطًا من المسلمين والمسيحيين الأوروبيين والبيزنطيين ؛ سواء كان ذلك على الحدود مع الدولة البيزنطية ، أو على الحدود بين الأندلس وأوروبا ، أو حتى في المناطق التي احتلها الصليبيون في بلاد المسلمين طوال القرنين الثاني عشر والثالث عشر . و « الحقائق التاريخية » في هذه المناطق الحدودية تتناقض بشدة مع « التصورات الايديولوجية » عن دار الإسلام ودار الحرب من ناحية ، كما تتناقض مع التصورات الكاثوليكية لفكرة « العالم المسيحي » من ناحية أخرى ؛ بل إن محاولات البابوية فرض الحصار على دولة سلاطين المماليك فشلت للأسباب نفسها عندما وجدت الجمهوريات التجارية الإيطالية أن مصلحتها تقتضي التفلت من تلك المحاولات ، لا سيما بعد الحملة الصليبية الخامسة سنة 1221 م ، لأنها اهتمت كثيرًا بالإيديولوجية ، ولم تلق بالًا إلى الظروف التاريخية الموضوعية التي حكمت أوروبا الغربية آنذاك .