نخبة من الأكاديميين
105
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تركته من آثار سلبية ، فإن أعدادًا كبيرة من التجار المغامرين سعوا وراء حظوظهم فوق مياه البحار وصولًا إلى شواطئ المنطقة العربية ، وإلى جانبهم جاء الحجاج الأوروبيون من كل مكان في أوروبا الكاثوليكية لزيارة المقامات والأماكن المقدسة في فلسطين ومصر . وقد شجعتهم البابوية على الرحيل ، ومنحتهم الغفران الذي يتم اكتسابه عند كل مزار أو مكان وردت الإشارة إليه في الكتاب المقدس . وقد زاد حجم التجارة بين المسلمين والأوروبيين زيادة كبيرة بعد أن طرد المماليك المستوطنين الصليبيين نهائياً من الشريط الساحلي لفلسطين واستولوا على عكا سنة 1291 م . وقد أدى نمو التجارة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر إلى مناقشات دبلوماسية كثيرة بين المسلمين والفرنج ( وهو الاسم الذي أطلقه المسلمون على الأوروبيين جميعًا ) بحيث صارت معرفة اللغة العربية مهمة جدًا . وقد بدأ أوروبيون كثيرون في تعلم اللغة العربية لأسباب عملية نفعية أولًا ، ثم لأسباب أكاديمية في ما بعد . وعلى أية حال فإن المسلمين لم يجدوا أنفسهم مضطرين إلى تعلم اللغات « الإفرنجية » في ذلك الحين ، وربما كان السبب في ذلك راجعًا إلى إحساسهم بأن الفرنج هم أبعد مما يجب ، وأن ليس لديهم شيئاً يمكن أن يتعلم منه المسلمون . وعلى العموم ، لم يكن المسلمون يهتمون بأوروبا ، واقتصرت معرفتهم بها على التجار الأوروبيين الذين عاشوا شبه منعزلين في « فنادقهم » بالبلاد الإسلامية . وفي ما عدا التجارة كانت المعاملات مع الأوروبيين غير مرغوبة في كثير من الأحيان . وباتت روايات الرحالة الأوروبيين عن المنطقة العربية أكثر عددًا في القرن السادس عشر ، عندما تدفق الأوروبيون بأعداد أكبر إلى مصر وما جاورها . وقد حملت هذه الكتابات بعض الحقائق وكثيرًا من الخيال عن العالم العربي . ومن ناحية أخرى ، فإن هؤلاء الرحالة كانوا يهتمون كثيرًا بالمواقع المقدسة في رحلاتهم ، وبشكل المدن والمناطق التي يزورونها ، لكنهم نادرًا ما تحدثوا عن الإسلام والمسلمين . وعادة ما كان أولئك الرحالة ينظرون إلى ما اعتبروه من « العجائب والغرائب » ، ولم يكونوا من الباحثين الذين يفتشون عن الحقيقة ، أو الراغبين في المعرفة في غالب الأحوال . ومع المزيد من توسع التجارة والنشاط التبشيري جاء البحث عن أسواق جديدة ، ومع هذا وذاك تعززت الكتابات تدريجياً بتطور اللغات والمفردات في اللهجات الأوروبية المحلية والدارجة . وعندما تمت دراسة الكتاب الكلاسيكيين ونشر المعلومات الجديدة عن الأقاليم الجغرافية التي لم تكن معروفة حتى ذلك الحين ؛ بزغ فجر أدب الرحلات ، الذي تطور بشكل كبير في القرون التالية . وكانت هذه الكتابات الباكرة تضم أحيانًا بعض الخرائط المصورة ، أو الرسوم التوضيحية المحفورة على الخشب . ومن ناحية أخرى ، لم يؤدْ أدب الرحلات الذي تطور على هذا النحو إلى تغير فهم ملامح الصورة التي تكونت في أوروبا عند الإسلام وعن المسلمين . وهنا بدأت مرحلة جديدة من مراحل تطور « الآخر » في وجدان الأوروبيين بشكل عام ، ولكن صورة « الآخر » الأوروبي في المنطقة العربية بعد خضوعها للحكم العثماني منذ بدايات القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي ، ظلت ثابتة نسبيًا حتى بداية عصر الاستعمار .