السيد محمد الصدر
42
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان
من قائل : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين ) « 1 » وقوله عز وجل : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون ) « 2 » ) . وكِلا هاتين الآيتين واردتان في مورد التعاليم الأخلاقية ، والنصائح الاجتماعية التي تحث الأصدقاء على أن يتشاوروا فيما بينهم لئلا يستبدَّ فرد منهم برأيه فيفشل في حياته ، وهما غير متعرضتين على الإطلاق لمسألة التشاور لأجل التشريع وسنِّ القوانين . أما بالنسبة إلى الآية الأولى فإن في سياقها دلالة صريحة على أن هذا التشاوُر بين النبي ( ص ) وبين المسلمين ليس إلا للألفة وزرع الوفاق بينهم وبين قائدهم العظيم ، ولأجل استئناسهم وتطييب نفوسهم ، وأخذ آرائهم في الأمور الجزئية التي قد يقوم بها النبي ( ص ) ، ليتم تنفيذها عن رضاهم وطيب قلوبهم . وهذا هو المعنى المناسب للعفو عنهم والاستغفار لهم . أما القوانين العامة والتشريعات الأساسية فليس في الآية أي تعرض لها ، ولا يمكن أن يكون ذلك ، لأن القرآن نفسه نازل من قبل الله تعالى الذي له النهي والأمر ، وهو مملوء بالأوامر والنواهي التي يقصد بهما حفظ مصالح المجتمع الإسلامي ، ولا يقصد أخذ رأي الأمة في ذلك بقليل ولا كثير . ولم يرِد تاريخياً أن النبي ( ص ) استشار أصحابه في هذه التعاليم الإسلامية في يوم من الأيام . بالإضافة إلى أن هناك آية صريحة على خلاف ذلك ، وهو قوله عز وجل : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِيناً ) « 3 » .
--> ( 1 ) - سورة آل عمران : الآية 159 ( 2 ) - سورة الشورى : الآية 38 ( 3 ) - سورة الأحزاب : الآية 36