السيد محمد الصدر

292

شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ( ع )

بتفكير آخر . فهؤلاء يفكرون تفكيراً اجتماعياً والحسين ( ع ) يفكر بالشهادة . وما كان أسهل عليه أن يركب الفرس وحده ، أو في نفر قليل ويصل إلى الكوفة بيومين أو ثلاث ، ويدخلها قبل عبيد الله بن زياد . إلا أنه أثقل رحله بالنساء والأطفال والرجال بعنوان أنه يأخذ جيشاً كبيراً من المدينة إلى الكوفة . فثقلت حركته ولم يستطع الوصول إلا بعد فوات الأوان . لأن الجيش مهما كان فإنه يحتاج إلى طعام وشراب ومنام وغير ذلك كثير . والمفروض أن كل هذه الأمور لا تكون إلا بالمعجزة وهو لم يبطئ بالذهاب عبثاً . إلا أنه رأى أن نفعه ونفع الآخرين بشهادته أعظم من حكمه . وبيدنا أمران ، أحدهما : محسوس وهو النفع الذي حصل بشهادته في الدنيا والآخرة . والآخر محتمل كأطروحة : وهو أن الحكم الذي كان من الممكن أن يكون ، ليس في وقته ولا الناس مستحقون له ولا يتحملونه ولا يقومون بمسؤوليته . ومن أوضح نتائجه أنه من الممكن أن ينقلب ويزول ويأخذه الظالمون من أيديهم . في حين أن المفروض بالحكم الحق إذا حصل أن لا يزول إلى يوم القيامة ، بحيث يكون هو الوارث للأرض ومن عليها . ومن هنا ورد : ( ودولتنا في آخر الدهر تظهر ) « 1 » . لأن الله سبحانه يوفر لها علل البقاء والاستمرار ، وتكون قد أخذت موقعها الحقيقي من الكون في حدود الحكمة الإلهية . أما التعجيل قبل ذلك فليس بمستحسن بالتأكيد . مضافاً إلى إمكان القول بأن البلاء الدنيوي يقل في ذلك الحين ، أو يكون

--> ( 1 ) روي هذا البيت عن الإمام الصادق ( ع ) وهو قوله : ( لكن أناس دولة يرقبونها ودولتنا في آخر الدهر تظهر ) أمالي الشيخ الصدوق ص 578 ، روضة الواعظين ص 212 ، البحار ج 51 ص 143 . .