السيد محمد الصدر
286
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ( ع )
وليس عشوائياً أن يختار مسلم أمثال هؤلاء لأنهم الأخلص والأقوى والأشهر ، والإستناد إليهم قوة في وقت الحاجة ، كما أن استنادهم إليه قوة له ، لا أقل إثباتاً ، أي أمام المجتمع والناس مضافاً إلى جهة أخرى ، وهي أن كل هذه الأمور تحتاج إلى تمويل لا يقوم بها مضيف فقير وإن كان مؤمناً . وواضح أن مسلم بن عقيل ( ع ) لم يحمل معه من الحجاز لا زاداً ولا راحلة ولا مال ، وإنما وصل في غاية الصعوبة إلى العراق . فيحتاج إلى من يموله في مهمته وحركته . فكان له المختار وهاني وغيرهما خير عون في ذلك . هذا ومسلم بن عقيل ( ع ) لم يكن رأى الكوفة قبل ذلك . ولكنه حين دخلها لأول مرة لم يكن يتلدد في شوارعها كما تلدد فيها بعد أن تركه الناس . وإنما الذي حصل أنه كان يعرف سماعاً عن أناس معينين بما فيهم المختار الثقفي ، فهو يسأل عن داره ويقصده ، وهذا يكفي . ونلاحظ أن الحسين ( ع ) ترك الإشارة له إلى ذلك ، وأنه ينزل في أي بيت ، وذلك لعدة مبررات يمكن أن تكون مجتمعة : أولًا : الاعتماد على خبرة مسلم الشخصية وهي كافية جداً في ذلك . ثانياً : إنه يتعمد أن لا يذكر أسم شخص معين لكي لا تكون هناك نتائج محمودة أو غير محمودة بالنسبة إليه . فمثلًا حين دخل النبي ( ص ) المدينة لأول مرة لم يذكر اسم أحد ، وإنما حين دعي إلى البيوت ذكر أن ناقته مأمورة ، فبركت إلى جنب بيت أبي أيوب الأنصاري ، والذي كان فقيراً لا يطيق شيئاً من المسؤوليات . فقد كان إخفاء اسمه متعمداً كما أن اختياره فقيراً متعمداً لإظهار المعجزة في تيسير الأمور .