السيد محمد الصدر
94
أضواء على ثورة الحسين ( ع )
الناس والتاريخ به وبعشيرته وأمثاله باستمرار . مضافاً إلى غضب الله سبحانه . وذلك أنه فعل ثلاثة أمور مهمة مضافاً إلى منكراته الشخصية أهمها قتل الحسين ( ع ) وجيشه في كربلاء والتنكيل بهم تنكلًا فضيعاً « 1 » . مضافاً إلى رمي الكعبة بالمجانيق وكان بمنزلة القصف المدفعي في زماننا ، إذ يشعلون النار في بعض المواد ويقذفونها بعيداً على العدو بواسطة الآلة القاذفة التي تسمى بالمنجنيق . وقد بقيت الكعبة المشرفة تحت هذا القصف المركز أياماً بلياليها « 2 » ، هذا مضافاً إلى واقعة الحرة ، بقيادة مسلم بن عقبة الذي أباح المدينة المنورة ثلاثة أيام كاملة قتلًا ونهباً وسلباً واعتداء على الأموال والنساء والأطفال ، بشكل لم يسبق له مثيل « 3 » .
--> ( 1 ) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 2 ص 5 . ( 2 ) نفس المصدر ج 2 ص 10 . ( 3 ) نفس المصدر ج 1 ص 179 . - ويحسن أن نشير إلى خلافة يزيد وما ارتكب فيها من جرائم حيث بدأت خلافة يزيد بن معاوية في أواخر سنة 61 ه - وانتهت بوفاته في النصف الأول من سنة 64 ه - وبذلك تكون مدة حكمه ثلاث سنوات تقريباً ارتكب فيها أبشع وأقبح جرائم في التاريخ البشري بشكل عام والإسلامي بشكل خاص ففي السنة الأولى قتل سبط الرسول وسيد شباب أهل الجنة وسبى نساءه وقتل عياله وشردهم وروعهم ومثل بالأجساد الطاهرة فأبان الرؤوس عن الأجساد فحملت فوق الرماح يطاف بها من بلد إلى بلد وبذلك صنع مع آل الرسول مالا يصنع مع الترك أو اليهود أو القوم الكافرين . وفي السنة الثانية أقدم على جريمة بشعة لم يُرْوَ لها مثيل في التاريخ وهي واقعة الحَرّة وسميت بهذا الاسم نسبة إلى منطقة الحَرّة والتي هي قرب المدينة المنورة . وذلك أنه لما أنكر أهل المدينة أفعال يزيد وموبقاته وكيفية قتل الحسين وأهل بيته وأسر نساءه وفعله للمحرمات حتى وصل به الحال إلى الزنا بالمحارم ، فيقول ابن سعد في الطبقات الكبرى وابن الأثير في الكامل : ( إن عبد الله بن حنظله غسيل الملائكة خطب في أهل المدينة خطبة قال فيها : ( فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء . إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة . والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسناً ) . فغضب يزيد من ذلك فأرسل جيشاً مؤلفاً من ثلاثين ألف من أهل الشام وعليهم مسلم بن عقبة وقد قال له : ( السيف السيف أجهز على جريحهم وأقبل على مدبرهم وإياك أن تبقي عليهم ) . فيقع ثلاثون ألفاً من أهل الشام مدججون بالأسلحة الكاملة في أهل المدينة قتلًا وذبحاً ثلاثة أيام . وخطب مسلم بن عقبة قائلا : ( هذه المدينة لكم مباحة ثلاثة أيام دمائها ونسائها وأموالها ) . وذكر المؤرخون أنه بلغ عدد قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين وأصحاب رسول الله ( ص ) ألفاً وسبعمائة ، ومن سائر الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان وقد نقل المؤرخون صور مروعة عن هذه الفاجعة فمثلًا ما نقل عن أبي معشر حين قال : ( إن رجلا من أهل الشام دخل على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها فقال لها : هل من مال ؟ قالت : لا والله ما تركوا لي شيئاً . فقال : والله لتخرجين إلي شيئاً ولأقتلنك وصبيك هذا . فقالت : ويحك إنه ولد بن أبي كبش الأنصاري صاحب رسول الله ( ص ) وقد بايعته يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي . . . فما أتيت شيئاً فاتق الله ثم قالت لابنها : يا بني والله لو كان عندي شيء لافتديتك به . قال : فأخذ الشامي برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها وضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض أمام أمه ) . ويدخل القوم المدينة وتجول خيولهم فيها فيقتلون وينهبون فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي ولم يتركوا فراشاً إلا نفضوا صوفه ولم يتركوا حتى الحمامة والدجاج إلا كانوا يذبحونها فهذا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله ( ص ) يدخلون عليه فينتفون لحيته ويضربوه ضربات ثم يأخذون كل ما يجدون في بيته حتى الصوف وحتى زوج حمام كان له بالرغم من أنه عرّف لهم نفسه . والأفظع والأدهى من ذلك كله إباحة مسلم بن عقبة بأمر من يزيد نساء المدينة المنورة لجيش الشام ثلاثة أيام وكأنهن لسن مسلمات أو أنهن أسارى حرب غير المسلمين وهذه الجريمة النكراء ارتكبت عند قبر النبي ( ص ) وفي حرم النبي وحمى النبي فنادى منادِ ( مسلم ) في أهل الشام : ( يا أهل الشام إن أميركم مسلم بن عقبة بأمر من أمير المؤمنين يزيد بن معاوية أباح لكم هذه المدينة كلها ثلاثة أيام ومن زنى بامرأة فذاك له ) . فوقع جيش الشام في الزنا بالمسلمات وفيهن بنات المهاجرين والأنصار وفيهن ذوات الأزواج وفيهن الأبكار . . . وأما في السنة الثالثة فان خليفة المسلمين يبعث بجيش جرار إلى مكة المكرمة لحصار عبد الله بن الزبير فرموا الكعبة المقدسة بأحجار ضخام ونار من المنجنيق حتى حطموها وأحرقوها ولم يبق منها سوى المدر . فهذه ثلاث سنوات حكمها الطاغية فعمل بها تلك الجرائم الكبرى وليت شعري لو كان عاش أكثر من ذلك ماذا كان يفعل ؟ ؟ ! ! . - راجع دائرة معارف القرن العشرين ج 4 - الإمامة والسياسة لابن قتيبة - السفينة ج 1 - ناسخ التواريخ ( مجلد زين العابدين ) - شواهد التنزيل ج 1 ص 345 - تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير ( وقائع سنة 64 61 ه - ) - تاريخ الفتوح لابن اعثم ج 5 .