السيد محمد الصدر

280

فقه الأخلاق

الإمام ( ع ) : أما أنا فأفضل ما اختاره الله تعالى لي من هذه الأحوال . فإن دلت هذه الروايات على شيء ، فإنما تدل على نفي الزهد وإبعاد الناس عنه وعدم التفكير بنتائجه ، كتفضيل الفقر على الغنى ونحو ذلك . وجواب ذلك من وجوه : الوجه الأول : إن هناك أشخاصاً قد تتصاعد عندهم الرغبة في الزهد أكثر من تحملهم وطاقتهم وصبرهم . فيتخذون مسلكاً صعباً على أنفسهم ويحملون أنفسهم ما لا يطيعون . وهذا معنى خاطئ لأن فيه مضاعفات محتملة بل أكيدة ، غير محمودة . بل لا بد أن يكون الزهد تدريجياً وتحت إشراف وبحذاقة وفهم . ولا يكون بتسيب ولا بتسامح ، لكي ينتج نتائجه المفضلة . وعندئذ أمكن أن نقول : إن مثل هذا الشخص الذي زجره الإمام عن الزهد ، لم يكن قادراً على تحمله أو لم يكن مناسباً له أو كان قد خطى فيه خطوات صعبة . فلم يكن من الإمام ( ع ) إلَّا أن زجره عن مسلكه مع عدم إمكان تفهيمه الفرق الذي أشرنا إليه ، باعتبار قانون : كلم الناس على قدر عقولهم . وإذا بقي على مسلكه فسوف يؤول إلى الفساد بدل أن يصير إلى الصلاح . فكان خيراً له تبديل حاله وتغيير مسلكه . ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال . الوجه الثاني : إن الإمام ( ع ) . لو أقر هذا المتزهد ومدحه لفتح باباً في الدين أراده الأئمة مغلقاً . بمعنى أنه لو أقره على مسلكه لفتح للآخرين باب السير عليه والاتخاذ له ، ولأصبح كثير من أفراد المجتمع من الزاهدين . وهذا ليس فيه مصلحة ، كما عهدنا قبل قليل بأن الأئمة ( ع ) أرادوا دائماً إغلاق بابه . وذلك لعدة مصالح منها :