السيد محمد الصدر

180

أصول علم الأصول

المعنى ، وبذلك يحصل فهم مقصود المتكلّم من قبل السامع ؛ لأنَّ كلام المتكلّم يذكّر السامع باللفظ ، فيتذكّر السامع المعنى ، ويعلم أنَّ هذا التفكير هو مقصود المتكلّم ، فيحصل الفهم . وهذا الاقتران الذهني جعلي ، يعني : أنَّه ناشئٌ من جعل الواضع وقرنه الاعتباري بين اللفظ والمعنى ، وافتراض هذا الجعل ممّا نحتاجه بطبيعة الحال ، بعد نفي العلاقة الذاتيّة أو الماهويّة أو الذوقيّة بين الألفاظ والمعاني كما سبق . فإنَّ تلك العلاقة لو كانت موجودة لما احتاج الوضع إلى جعل ، أو بتعبير آخر : لما احتاج اللفظ إلى وضع ، ولكنّها غير موجودة في الحقيقة كما سبق أن برهنا . إذن يتعيّن المصير إلى الجعل . وهذا الجعل يتّفق مع الجعل التشريعي من ناحية ، ويختلف عنه من ناحيةٍ أُخرى . أمّا مورد الاتّفاق ، فباعتبار كونهما معاً من سنخ الجعل الاعتباري ، وهو الربط الاعتباري بين شيئين ، هما في الوضع : اللفظ والمعنى ، وفي التشريع : الأمر والمأمور به ، أو قل : الإلزام الناتج من الأمر والمأمور به . وأمّا مورد الاختلاف ، فإنَّ التشريع فيه محركيّة إلى العمل ؛ لأنَّه يحتوي على إرادة تشريعيّة متعلّقة بفعل الغير . وأمّا في مورد الوضع فلا محركيّة أصلًا ، فهو من هذه الناحية بمنزلة الأحكام الوضعيّة لا التكليفيّة ، غير أنَّ الأحكام الوضعيّة لا يكون لها أثر عملي إلَّا باعتبار استتباعها للتكليف ، بخلاف الجعل الوضعي للغة ، فإنَّ أثره العملي ينتج من الحاجة إلى التفاهم بلغة . ولعلّ ممّا يقرّب اتفاقهما سنخاً ، اتّحاد العنوان من حيث إنَّ كليهما يسمّى بالوضع ، وهو اتّحاد يدلّ على أنَّ واضع الاصطلاحين كان يدرك