السيد محمد الصدر
164
أصول علم الأصول
غير أنَّ هذا الأُسلوب نادرٌ في عالم الطبيعة ، وليس له بديل آخر غير التفاهم باللغة ، إذن فيحتاج التفاهم إلى لغةٍ ، كما هو عرفي وغالبي . ومن هنا اقتضت الحكمة الإلهيّة إيجاد هذا الإبداع في النفس ، أعني : الإبداع اللغوي ، بمقدار حاجة الفرد المتكلّم ، أعني : بمقدار حاجة الإنسان تارةً وبمقدار حاجة الحيوان أُخرى . وحيث كانت حاجات الإنسان أضعاف حاجات الحيوان لمدى الاختلافات الأساسيّة في الخلقة الجسديّة والإدراك والفروق ، فمن هنا كانت لغة الحيوان ضيّقة شديدة المحدوديّة ، وكانت لغة الإنسان واسعة ، وفي الإمكان أن تكون متشعّبة ومعمّقة . وهذا الإبداع خلقٌ من خلق الله سبحانه وتعالى ، وهو قابليّة الإنسان على اللغة ، بغضِّ النظر عن كونه سبحانه هو الواضع أو غيره ، ولو نظرنا إلى الحيوان لوجدنا أنَّه سبحانه أبدع ذلك في أنفسهم قابليّةً وفعلًا ، إلَّا أنَّه بطريق خاصٍّ وقاهر ، يكفي بحاجات الحيوان نفسه . وهو سبحانه أبدع قابليّة إدراك الحروف والأعداد في العقل الإنساني ، واحتمالات الحروف في تراكيبها وتقلّباتها وحركاتها لا متناهية ، غير أنَّ جملةً من هذه الاحتمالات غير عرفيّ وغير عمليّ ، كما لو فرضنا وجود كلمة من مئةٍ أو من ألف حرفٍ مثلًا ، إلّا أنَّ المفروض في الحكمة : أن التراكيب اللغويّة تعبّر عن كلِّ شيءٍ على الإطلاق ، كما في الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام : وَأنْتَ الكِتَابُ المُبِينُ الَّذِي * بِأَحْرُفِهِ يَظْهَرُ المُضْمَرُ « 1 » .
--> ( 1 ) أُنظر : ديوان الإمام علي * : 72 .