الشيخ البهائي العاملي

104

العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )

وأنت خبير بأنّ زيادة المعنى في المشتقّ تكون بزيادة مدلوله التضمّني ، أعني المعنى المصدري ، ولا ريب أنّ رحمة الآخرة كما هي زائدة على رحمة الدنيا كيفا ، فهي زائدة عليها كمّا أيضا ؛ لتواترها وعدم انقطاع « 1 » أفرادها ؛ بل لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ، وهذا يقتضي عدم استقامة الاعتبار الأوّل في الدعاء الأوّل ، فكأنّهم اعتبروا فيه زيادة أفراد متعلّق المعنى المصدري ، أعني المرحومين ، ولعلّهم عدّوا جميع أنواع الرحمة الواصلة إلى الشخص الواحد رحمة واحدة . ثمّ لمّا كان الرَّحْمنِ بمعنى البالغ في الرحمة غايتها ، اختصّ بالله - سبحانه - ، ولم يطلق على غيره [ تعالى ] « 2 » ؛ لأنّه هو المتفضّل حقيقة ، ومن عداه طالب بلطفه وإحسانه إمّا ثناء دنيويّا ، أو ثوابا أخرويّا ، أو إزالة رقّة الجنسيّة ، أو إزاحة خساسة البخل وحبّ المال . ثمّ هو كالواسطة ؛ فإنّ ذات النعمة وسوقها إلى المنعم وإقداره وتمكينه من إيصالها إلى غير ذلك كلّها منه جلّ شأنه وعظم امتنانه . وإلى الاختصاص المذكور وشمول المؤمن والكافر يومئ ما روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام أنّه قال : « الرحمن اسم خاصّ لصفة عامّة ، والرحيم اسم عامّ لصفة خاصّة » « 3 » . [ بحث في تقديم « الرحمن » ] وتقديمه على الرحيم - مع اقتضاء الترقّي العكس ؛ لتقدّم رحمة الدنيا ؛ وللمحافظة على رؤوس الآي ؛ ولأنّه - لاختصاصه بالله سبحانه - صار كالواسطة بين العلم والوصف ، فناسب توسّطه بينهما ؛ ولأنّ الملحوظ أوّلا في باب التعظيم والثناء هو عظائم النعماء وجلائل الآلاء ، وما عداها يجري مجرى التتمّة والرديف .

--> ( 1 ) . في « ق » : « انقضاء » . ( 2 ) . ما بين المعقوفتين أضفناه من « ق » . ( 3 ) . « مجمع البيان » ج 1 ، ص 54 ؛ « روح الجنان » ج 1 ، ص 23 .