محمد الريشهري
286
المحبة في الكتاب و السنة
وهؤلاء في الحقيقة لا يتنعّمون بنعمة المحبّة ، وعبادتهم غير قائمة على أساس المحبّة ، وإنّما على أساس الخوف والخشية « 1 » ، وفي المقابل تعني محبّة اللَّه لهذه الطائفة توفيق العمل الصالح في الدنيا ، وجزاؤهم في الآخرة الجنّة . ولكن في الوقت نفسه يوجد من بين عباد اللَّه ثلّة - وإن كانت قليلة عدداً - تحبّ اللَّه واقعاً وتطيعه لا عن خوفٍ من عذابه ، ولا طمعاً في جنّته ، وإنّما حبّاً له وتعلّقاً به . هذه الثلّة تقول في مناجاتها للَّه : « سَيدي . . . أنَا من حُبِّكَ ظَمآنُ لا أروى » ، وتقول أيضاً : « مَا أطيَبَ طَعمَ حُبِّكَ » ، وأيضاً : « يا نِعَمي وَجَنَّتي » ، وأيضاً : « فَهَبني - يا إلهي وسَيِّدي ومَولايَ ورَبّي - صَبَرتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيفَ أصبرُ عَلى فراقكَ » ، وما إلى ذلك . ومن الطبيعيّ أنّ حبّ اللَّه لهذه الثلّة يتّخذ مفهوماً آخر ، والمعنى والمفهوم الحقيقي لهذين النوعين من المحبّة لا يدركه إلّامن بلغ تلك المرحلة ، وكلّ كلام يستهدف بيان المحبّة الحقيقيّة للمخلوق وتفسيرها تجاه الخالق وبالعكس يبقى ناقصاً غير وافٍ بالغرض ، وأفضل بيان يعكس آثار هذه المحبّة هو ما ورد في حديث « التقرّب بالنوافل » « 2 » . قال الفقيه المحقّق الكبير الشيخ البهائي رحمه الله بشأن هذا الحديث : « وهذا الحديث ، صحيح السند وهو من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغييرٍ » . وقال في بيانه لمعنى جملة : « وإنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ » : « النوافل جميع الأعمال غير الواجبة ممّا يُفعل لوجه اللَّه سبحانه ، وأمّا تخصيصها بالصلاة المندوبة فعرف طارئ ، ومعنى محبّة اللَّه سبحانه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقّي إلى عالم النور ، والانس باللَّه والوحشة ممّا سواه ، وصيرورة جميع الهموم همّاً واحداً . قال بعض العارفين : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما
--> ( 1 ) . انظر : ص 210 ح 926 . ( 2 ) . انظر : ص 341 ح 1374 .