والد البهائي العاملي

127

نور الحقيقة ونور الحديقة

ولا بد له من سد خلته ، كما قد بيّنّاه آنفا ، وليس هذا نقضا لما قلناه أولا من الحث على ترك فضولها وزجر النفس عن الرغبة فيها ، فان جميع ذلك فيما تجاوز قدر الحاجة والا فقد قال اللّه تعالى ، لنبيّه عليه السّلام : « فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ » « 1 » . قال أهل التأويل : يعني إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك . وليس هذا القول منه ترغيبا لنبيّه - عليه السّلام - فيها ، ولكنّه ندبه إلى أخذ البلغة منها ، ولهذا قال رسول اللّه عليه السّلام : ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه « 2 » . وحكى مقاتل : ان إبراهيم الخليل عليه السّلام قال : يا رب إلى متى أتردد في طلب الدنيا ؟ فقيل له : أمسك عن هذا ؟ ! فليس طلب المعاش من طلب الدنيا . وقال سفيان الثوري : مكتوب في التوراة ، يا بن آدم : إذا كان في البيت برّ فتعبّد ، وان لم يكن فاطلب ، يا بن آدم : حرك يدك يسبب لك رزقك . وقال بعض الحكماء : ليس الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها . فوجب بما بينّاه النظر في أمور الدنيا ، وسبر أحوالها ، ليعلم أسباب صلاحها وفسادها ، فتقصد الأمور من أبوابها .

--> ( 1 ) سورة الانشراح : 94 / 7 - 8 ) . ( 2 ) كذا والظاهر : لهذه .