الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
30
الأقسام القرآنية
الأمور أو حكم من الأحكام الشرعية فإنّه يقرنه بالقسم ، وهذا نوع من فصاحة البيان ونمط من البلاغة في الخطاب ، فالمتكلّم مضافاً إلى بيانه وحكمه بوجوب أمر معين ، فإنّه يبيّن للمخاطب بذلك القسم أهميّة هذا الأمر أو الحكم . مثلًا عندما يريد اللَّه تعالى بيان أهميّة تهذيب النفس ومجاهدة الأهواء والنوازع النفسانية ويريد إفهام الإنسان بهذه الحقيقة حتى لا يقع في شراك الأهواء ولا ينزلق في منزلقات الخطيئة ، وبالتالي لا ينسلخ من حقيقة الإنسانية ، فنلاحظ أنّ القرآن الكريم استعرض بيان هذه الحقيقة بتقديم أقسام متعددة ، كالقسم بالشمس وأشعتها وعظمتها ، والقسم بالقمر وأنواره الساطعة ، والقسم بالليل وظلمته الوادعة ، والقسم بضياء الصباح وبهجته ، والقسم بخالق روح الإنسان ونفسه و . . . أنّ أهل النجاة والفلاح يوم القيامة هم الأشخاص الذين يسلكون في حياتهم مسلك تهذيب النفس وتصفيتها من الشوائب والرذائل ويتحركون في خط المسؤولية والعبودية والانفتاح على اللَّه . أجل ، إنّ اللَّه تعالى ومن أجل بيان أهميّة وعظمة جهاد النفس أقسم أحد عشر مرّة لتأكيد هذا الموضوع . وفي مورد آخر ومن أجل إلفات نظر الإنسان لأهميّة القلم وأنّ هذه الأداة الصغيرة والبسيطة بإمكانها أن تعمل على ازدهار حضارة مجتمع بشري أو تخريبها ومحوها ، فإنّه يقسم بالقلم وبالكتابة التي يكتبها الإنسان بواسطة القلم . ومن هنا فإنّ إحدى الحِكم والغايات للأقسام الإلهيّة في القرآن الكريم ، بيان درجة أهميّة الشيء الذي يقع متعلقاً للقسم . ب ) الحكمة الأخرى في الأقسام الإلهيّة بيان أهميّة وقيمة الموجودات والكائنات التي وقعت مورد القسم ، مثلًا ، اللَّه تعالى في المثال المذكور آنفاً يريد من جهة ، بيان أهميّة جهاد النفس ، ومن جهة أخرى ، يحث الإنسان على التفكر في عظمة هذه المخلوقات : الشمس والقمر ، والليل والنهار ، وعظمة السماوات وارتفاعها