السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

99

أصول الفلسفة

مطابق للواقع وهو علمهم وقطعهم بأنّه لا خبر عن الحقائق وانّ ما يقال في حق الكون بغير ذاتنا وفكرنا ، خيال وخيال . بل هذا الاعتراف ( وإن كان بصورة النفي ) يستتبع الاعتراف بحقائق كثيرة ، إذ هو يدّعي العلم ويتصوّر نفسه عالماً بأنّه لا خبر في الكون ، ويرى في المقام أنّ له ذاتاً وعلماً ، وان علمه هذا مطابق للواقع وكاشف عن أمر سواه ، فهو أثبت بجملته هذه حقائق ثلاث : ذاته ، وعلمه ، وكون علمه واجداً لوصف الكشف عن واقع سواه . وعزب عن السوفسطائي انّ الاعتراف بكاشفية علمه هذا ( علمه بعدم الحقائق ) يصدّه عن رد سائر العلوم ، بل يجرّه إلى القول باتّصاف غيره من العلوم بوصف الكشف عن واقع سواه ، إذ أىّ فرق بين علمهم هذا وسائر العلوم مع كون الكلّ من أفراد العلم ومصاديقه ! وهذا البحث الضافي يوقفك على عدّة نكات : النكتة الأُولى : قد وقفت على مقاصد السوفسطائيين وأغراضهم وإنكارهم للعلم بالحقائق الخارجية عن ذات المتصوّر وأفكاره ، وعلى ذلك فهذا هو المقياس الصحيح لتمييز السوفسطائي عن غيره ، فمن اعترف بواقعية من الواقعيّات ، التي تنكرها تلك الفئة فهو خارج من صفوف السوفسطائيين والمثالين . فيجب على كل من يدوّن تاريخ الفلسفة ويشرح مسالكها أن يعدّ ذلك المعترف ولو بواقعية واحدة ، من الفلاسفة المعترفين بالحقائق وأصالتها ، المكافحين للنّافين للحقائق والمثاليّين . إذ المثاليّون لا يؤمنون بأية حقيقة تفرض ، بأيّة واقعية خارجة عن ذاته