السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

44

أصول الفلسفة

سلطان المادية على العقول : هلّ القرن السادس عشر وظهرت بعض الآراء العلمية في الفلكيات والعلوم الطبيعية ، وكان ذلك سبباً لإيقاظ الشكوك الكامنة في النفوس وتوليد الشبهات ، وكان أوّل من اجترأ على إحياء المذهب المادّي الفيلسوف الإيطالي « بطرس بومباتيوس » فنشر عام 1516 م كتاباً ثار فيه على نظرية « أرسطو » في خلود النفس ، ولكن مع ذلك فقد نقل « بوخنر » في مقالته السادسة أنّ « بطرس بومباتيوس » كان من حماة الدين وحماة تعاليم المسيح ، غير أنّه أضاف جملة أُخرى : أنّ التظاهر بالديانة كان أمراً دارجاً بين العلماء الطبيعيين ، لسلطان رجال الكنيسة أو لرسوخ الإيمان الوراثي في قلوبهم . وفي عام 1770 م نشر « البارون هولباخ » الألماني كتابه الذي أسماه ( نظام الطبيعة ) وممّا جاء فيه : أنّ كل شيء محصور في الطبيعة وانّ كل ما يتخيّل وراءها وهم في وهم . وقد أخرج أوّل دائرة معارف بالفرنسية في القرن الثامن عشر ، وكان من أعضاء لجنتها « ديدرو » و « هولباخ » و « دلامبرت » وكان الأوّل مادّياً محضاً ، وقد صرّح في رسالته التي أسماها ( المادّة والحركة ) بأنّ ما نراه من خروج كائن حي من البيضة بواسطة الحرارة وحدها ينقض تعاليم اللاهوتيين . نقل « بوخنر » أنّ « دلامبرت » كان من المتوقّفين في العوالم الروحانية . جاء القرن التاسع عشر ، وقد قطعت العلوم الفرعية شوطاً بعيداً من التقدّم وأثمرت ثمراتها اليانعة في الصناعة والزراعة واستخدام القوى الطبيعية ، وصارت البيئة الغربية بيئة مادّية صرفة لم يبق فيها من العقائد الدينية إلّا شيء لا يعتد به .