السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

43

أصول الفلسفة

وليس يخفى على النابه أنّ تلك الكلمات رموز لحقائق لم تقصد ظواهرها ، بل لهم في غايات ، وقد نقل صدر المتألّهين في أواخر السفر الثالث كلمات من هؤلاء الأعلام ثم قال : إنّ كلماتهم كانت مشحونة بالألغاز والرموز ، وأنّ النقلة قد نقلوها من غير تدبّر وتعمّق ، وقد أرجع تلك الكلمات إلى القول بحدوث العالم وكونه متحرّكاً ومتغيّراً بحركة جوهرية ، وليس هنا أيّ دليل على كونهم مادّيين سوى وجوه أوعزنا إليها وقلنا : إنّ المادّي والإلهي في هاتيك الوجوه سواسية ، لأنّ الاعتقاد بمادة المواد ، أو تعليل الحوادث بعلل طبيعية ، أو الاعتقاد بأن نظام الوجود نظام وجوب وضرورة ، أو الإذعان بأنّ الموجود الطبيعي ليس يوجد من كتم العدم ، أو العناية بالتجارب والتدريب في تحقيق المسائل الطبيعية . . . كل ذلك لا يختص بالمادّي بل هو عند المادّي والإلهي سواء . والمادّي - لأجل بُعده عن المسائل الإلهية ونظامها الخاص زعم أنّ تلك العقائد تنافي القول بالعوالم الروحانية ، ومن جراء ذلك رمى كل من تفوّه بهذه المبادئ العلمية الطبيعية بالمادّية والإلحاد ، وإن كان يصرّح بالإيمان بمبدأ غيبي وراء الأُفق المادّي . وقد صار ذلك منشأ لأغلاط واشتباهات ، حتى عمّت وسرت إلى كُتّاب تاريخ الفلسفة . وسنوقفك على حقيقة الحال ومبلغ علمهم وقيمة قضائهم عند البحث عن العلّة والمعلول والحدوث والقدم ، فتربّص حتى حين . نعم ، قد صح عن « ذيمقراطيس » ( ديمو كريت ) و « ابيكور » وأتباعهما ، إنكار تجرّد النفس وخلودها بعد الموت .