السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
42
أصول الفلسفة
الإلحاد والإنكار ، وإلّا يلزم أن يكون كلّ الإلهيين من الأغارقة والإسلاميين من الملاحدة بل الأنبياء العظام والصلحاء من أوليائهم كلّهم من الملاحدة . وما زعمه المادّي دليلًا لإلحادهم فهو من أفحش الأغلاط ، إذ الأكابر من الإلهيين وأصاغرهم لا يختلفون قط في أنّ هنا مادة واحدة تنحل إليها البواقي ، وأنّ لمظاهر الحياة عللًا طبيعية ، وأنّ الحوادث والسوانح تنتهي إلى عوامل مادّية . ضع يدك على المئات المؤلّفة من كتبهم تجدها مليئة بالبحث عن المادة الأُولى والعلل الطبيعية ، ولكن ذلك لم يصدّهم من التألّه والإيمان بما ورائها . على أنّ آراء تلك الطبقة التي عدّهم المادّي أسلافاً لنفسه في المباحث الإلهية ترد تلك المزاعم ، فإنّ ل « كاليس » و « انكسيمانوس » رأياً خاصاً في علم الباري - عزّ شأنه خصّه أصحاب الفلسفة الإلهية بالبحث والتنقيح . نعم ، ناقض « بوخنر » قوله بما نقله عن « هراكليت » في نفس الإنسان من أنّها شعلة وهاجة تأججت من الأزلية الإلهية . بلى ، ناقض قوله في مكان آخر أيضاً حيث نقل عن « ابناذقلس » أنّه كان يرى الخلود لنفس الإنسان ، بعد موت الإنسان حتى تصل إلى غاية معينة من الراحة والشوق والحب . أجل ، أبطل مدّعاه بما رواه عن « هراكليت » أنّه قال : إنّا نرى الأشياء ثابتة ولكنّها في الحقيقة في حالة الزوال والتجدّد ولا ثبات لها أصلًا ، وأنّ العالم كالنار الشحناء تتأجج تارة وتنطفي أُخرى ، وهي لعبة بعض الآلهة « 1 » .
--> ( 1 ) . راجع في جميع هذه النقول إلى ما ألّفه « بوخنر » حول نظرية « دارون » ونقله إلى العربية شبلي شمّيل اللبناني .