السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

151

أصول الفلسفة

غيرها مقامها ، بعد حقب وأعوام لا تتجاوز العشرة ويصير موقف التذكر موقف العلم الجديد الذي لم يقف عليه الإنسان حتى الآن « 1 » . وهذه المشاكل لا يحلّها البحث المادّي ، إلّا إذا لاذ إلى القول بتجرّد العلم عن المادّة ، وانّ للعلم والإدراك وجوداً غير مادّي ولا قائم بالدماغ وأعصابه ، باق على كلّ الحالات غير زائل مع زواله وتغيّره ، فيسترجعه الإنسان متى أراد من غير فرق بين أن تتطرّق عليه الغفلة والنسيان ، أو لا . ولو بحث المادّي عن هاتين الحالتين من أطوار العلم بلا تعصّب لبلغ إلى ما بلغه غيره ، ووقف على وجود رابط بين الإدراكين ، وأنّ هنا أمراً حافظاً للوحدة - أي اتحاد الحالتين ووحدة العلمين - ومؤكداً للعينية .

--> ( 1 ) . البحث عن ( الذاكرة ) وما لها من شؤون يعدّ من أدق المسائل الروحية وهي ذات أسرار ورموز ، قلّما يتّفق لبشر أن يكشف مغزاها ، والسر كل السر في قدرة تلك القوة ، كيف تحتفظ بالصورة العلمية والمعاني الدقيقة ، ثم تذكرها بعد مدة من الدهر وتقضي انّ ما أدركته فعلًا عين ما أدركته أوّلًا وليس هو بعلم جديد . التدقيق في هذا البحث يرشد الفيلسوف إلى أنّ الروح ومراكز الإدراك فوق نظام الأعصاب ، وفوق ما فيها من تفاعل أو فعل وانفعال وإن حسب المادّي خلافه ، إذ لم يتجاوز في تحليل تلك المسائل عن المخ وما فيه من نظام مادّي وانفعال طبيعي . فلنشرح الموضوع مقدّمة للاستدلال حسب ما يجده كل واحد منّا وجداناً حضوراً ، ثم نعقبه بذكر بعض الفروض العلمية والفلسفية : لا شك أنّ كل واحد منّا يقدر على استحضار ما أحسّه أوّلًا ، من دون أن يتوقّف ذلك على إحساس حديث ، فلو رأيت صديقك يوماً في إحدى المقاهي أو قاعة المكتبة ودار البحث بينكما في ذلك المحفل ، حول موضوع ، فإذا أردت أن تستحضر تلك الواقعة ، وما دار فيها ، فأنت بلا شك تعيد تلك المحادثة ، بعينها ، من دون أن تعدّ الحالة الثانية صورة خيالية أو احساساً جديداً ، بل تجدها إعادة لتلك الخواطر الماضية التي قضى الدهر عليها . إنّ علماء معرفة الروح جعلوا المراحل من التذكّر ، وما قبل من الإدراك البدني ، أربعة : أالإدراك البدئي : أيإدراك شيء بإحدى القوى الظاهرية في بادئ الأمر ، وهذا يعد حجراً أساسياً لباقي المراحل . ب التحفّظ : وهو الأثر المورث من الإدراك البدئي ، إذ لو لم يحتفظ الذهن بنفس الشيء أو الأثر المورث من الإدراك البدئي ، لما أمكن أن يتوجه إلى شيء ، ويتذكّره من دون أن يتوسّل بالقوى الظاهرية كما هو المفروض . ج التذكّر : وهو انعطاف الذهن إلى ما أدركه سالفاً . د التشخيص : وهو القضاء بأنّ هذا هو عين ما أدركه أوّلًا وليس بأمر موهوم وإدراك جديد . والنقطة الحسّاسة التي حار في تفسيرها المفكّرون هي المرحلة الثانية وانّ الصورة المدركة كيف تحتفظ في الذهن برهة من الزمان مع كونها مغفولًا عنها ، إلى زمان التذكّر الذي هو ثالث المراحل . ودونك بعض الفروض المنقولة عن علماء النفس : ( 1 ) قال بعض الأغارقة : إنّ الصورة المعلومة تنقش في الذهن وتبقى صورة الشيء المعلوم في الدماغ بعينها ، وتحتفظ من ذلك الطريق ، وهذا رأي مردود أطبقوا اليوم على بطلانه . ( 2 ) يقول ديكارت : إنّ الإحساس البدئي يودع آثاراً وخطوطاً في الدماغ ، كلّما توجّه إليها النفس ، وحصل اتجاه من الروح والذهن إليها ، يؤثر تأثيراً مشابهاً ، وترتكز في الذهن صوراً وهيئات وأصوات تمثل الإحساس البدني كأنّها هو . وهذا مبني على استقلال الروح عن البدن وانّ الأثر الباقي عن الإدراك البدني أمر مادّي في الدماغ ، وقد أطبق الإلهيون والمادّيون على بطلانه . ( 3 ) ما حقّقه المحقّق الإلهي صدر المتألّهين ، وهو مبني على أُصول أقام برهانها في أسفاره ، ومجمله : انّ النفس جوهر مجرّد ، وهي في مقام الفعل ، فاعل إلهي ، وكلّما يدركه من الصور والهيئات والمفاهيم والمعاني إنّما توجدها في صقعها بإرادة واختيار وهي مخلوقة لها ، حادثة من جانبها قائمة بها قيام صدور لا قيام حلول فكما انّ النفس جوهر مجرّد ، لا يقبل الفناء والزوال فهكذا صورها العلمية ، مجرّدات مسلوبات عن المادّة ، وعلى هذا فما أدركت من الصور ووقفت عليها ، مخزونة في صقعها لا يتطرق إليها الفناء والفساد ، ولا معنى للتذكّر إلّا اتجاه النفس إلى تلك الصور والمعاني المخزونة في صقعها . وأمّا ما يتحقّق في الدماغ من فعل وانفعال ، فكلها أُمور إعدادية لتحقّق الإدراك وليست حقيقة الإدراك . ( 4 ) بالرغم ممّا أصرّ عليه الروحيّون من القول بتجرّد الصور الذهنية واحتفاظها بعينها ، زعم المادّيون خلاف مقالهم ، وحاصل ما قالوا : إنّ حقيقة الإدراك ليست إلّا وقوع التأثير والتأثّر في أعصاب الدماغ وانّ واقع الإدراك قائم بانفعال الأعصاب عن خارج سواها ، فاحتفاظ الصورة العلمية في خزانة الإدراك يقوم بدوام تأثّرها عن الخارج واتجاهها على وجه الدوام إلى الشيء المعلوم ، لكن المفروض عدمه ، لأنّ الأعصاب الدماغية إنّما تتوجّه في كل لحظة إلى شيء خاص ، فلو فرضنا انقطاع التوجّه عن الموجود الخارجي كما هو المفروض لفرض الغفلة بين الإحساس البدئي والتذكار ، يلزم عدم انفعال الأعصاب من ناحية ذلك الشيء وهو يلازم فقدان الإدراك بين الإدراكين ، ومعه كيف يحتفظ بالصورة مع انتفاء عامّة ما يتوقّف عليه الاحتفاظ ، فانّ الاحتفاظ عبارة أُخرى عن دوام الإدراك فإذا فرض عدم دوامه ، فيلزم عدم محفوظيته في الفصل الموجود بين الزمانين . وأمّا التذكّر وعلّته وباعثه مع انعدام الصورة العلمية ، فهو أنّ الاحساس البدئي يورث أثراً مخصوصاً في نقطة خاصة من الدماغ بعد زواله ، بحيث كلّما أراد الانسان تذكار الحوادث السالفة تتأثر تلك النقطة لأجل عوامل خارجية وداخلية كالإرادة وغيرها وعندئذٍيحصل تهييج في الأعصاب وتتوّلد صورة علمية جديدة تشابه السالفة من عامّة الجهات . وإن شئت فقس المقام بالمسجلات ، فإنّ الأمواج الصوتية لا تضبط على الشريط بعينها وخصوصياتها ، بل هي تبدّل إلى أمواج مغناطيسية وتحتفظ تلك الأمواج فيها على وجه لو أُديرت الشريط بالمسجلة تتبدّل إلى أصوات تشابه السابقة ، وإلى كلمات تشابه السالفة . هذا خلاصة مقالهم . . . وعلى هذا فلابد للمادّي أن يخصّ كل حفرة أو جزء من الدماغ على واحد من الأُمور الذهنية والصور المخزونة . ولكن الأُصول الفلسفية قد قضت على تلك الفروض بمعاول هدّامة ودونك نماذج من وجوه النقد فيه : أإنّ التذكار فعل دماغي كسائر أفعاله من الرؤية والسمع ، فكما أنّ العمل والفعل والانفعال يعم جميع أجزاء العين والسمع عند تحقّق الرؤية والاستماع ، ولا يختص الاستعمال بأجزاء خاصة من تينك العضوين فليكن التذكار كذلك ، فلم يخصُّ المادّي كل جزء من الدماغ بصورة خاصة ؟ ولو سلمنا صحته ، فالصور العلمية والمفاهيم الذهنية أكثر بكثير من الأجزاء الدماغية ، وإن بلغت ما بلغ ، فكيف تحتفظ تلك الصور والمعاني ب‌آثارها في حفر الدماغ وأجزائه ، مع أنّه لا يبلغ شأوها في العدد والكثرة . وهذا هو الذي جرّ زعيم المادّيين « أراني » في بلادنا ، إلى التردّد في هذا المقال وجاء بكلام طويل ، عرفت لبّه آنفاً . ب كل واحد منّا إذا رجع إلى ذهنه ليلاحظ سوانحه وخواطره يجد أكثرها متمثلة عنده ، يجدها موجودة بعينها وجداناً وضرورة . وما أفاده المادّي من كون الحافظة أمراً مادياً وانّ الصور العلمية تصير معدومة بعد تعطيل الأعصاب عن التوجه إلى المعلوم ، يوجب أن يلتزم بأحد أمرين ، إمّا أن يقول إنّالصور والمعاني في حالة التذكار ، أُمور وهمية لا حقيقة لها ، وهو مما لا يرضى به أحد ، وإمّا أن يقول بأنّها علوم وصور جديدة ومفاهيم حديثة تشابه سوابقها وهو خلاف الوجدان . وما جاء به من التمثيل بالمسجلة ، لا يثبت ما رامه ، إذ كل واحد يقضي عندما يستمع للمسجلة ، بأنّه كلام حديث ، يشابه الكلام السالف ، مع أنّه يقضي عند التذكار أنّه عين ما أدركه سابقاً فشتّان ما بينهما . ج إنّ الدماغ وما فيه يتبدّل ويتحلّل في مدة قصيرة ( إلى آخر ما تعرفه من المتن ) . حجة المادّي على كون الحافظة مادّية : استدل على مقالة بوجهين : الأوّل : أنّ الإنسان في معرض النسيان وهي كالطبيعة الثانية له ، وقلّما يتفق لبشر أن يستحضر عامة خواطره وحوادثه التي واجهها طيلة حياته ، فلو كانت الروح والروحيات مجرّدات عن المادّة ، والصور العلمية مخلوقة منها فالنسيان لماذا ؟ ! إذ المفروض أنّ الروح علّة لعامة علومه ، وهي صادرة عنها قائمة بها قيام صدور لا حلول فيلزم تخلّف المعلول عن علّته التامة الموجودة . وأمّا المادي فهو لفي فسحة من هذا الاعضال ، إذ هو يقول : إنّ مراكز الإدراك عامّة والحافظة خاصة لا تتجاوز عن الدماغ وما فيه من الأجهزة المادّية ، وأمّا النسيان فهو نتيجة بعض التغيّرات الطارئة على المخ . قال الدكتور « أراني » : إنّ قوة الحافظة وضعفها تابعة لقدرة المادة الدماغية وكفاحها تجاه الحوادث ، وصمودها وثباتها . الثاني : دلّت التجارب على أنّ المصاب من ناحية مخّه ربّما يصاب من ناحية حافظته ، وربّما يتفق انّه ينسى كل ما عرفه قبل إصابته ، هذا وقد جرّبوا ذلك في المصدومين من الحرب العالمية من جانب المخ فوجدوا بعضهم بعد اندمال الجرح أنّه نسي البلد الذي تولّد فيه ، أو لم يتذكر اسم والده ووالدته حتى نسي اسم نفسه ، وهذا أوضح دليل على كون الحافظة أمراً مادّياً حسبما شرحنا ، وانّ محال الإدراك ومرتكز لوائه ، انّما هو المخ وأعصابه بحيث تصاب بإصابته . جولتنا في آرائهم : إنّ الروحيين وفي طليعتهم الفلاسفة وإن قالوا بتجرّد الروح ( النفس ) وتجرّد الصور العلمية الموجودة وراء أستار المادّة ، إلّا أنّهم قالوا : إنّ النفس مجرّدة ذاتاً ، إلّا أنّها مادّية فعلًا بمعنى أنّها تحتاج في عامّة أفعالها إلى المادّة ، فهي تبصر بالعين وتسمع بجهاز السمع وتستشم وتلمس بالأجهزة المادّية ، والتذكّر فعل من أفعالها ، تحتاج في عملها إلى المادّة واستخدامها وعلى هذا فالصورة العلمية المنسية لأجل طول الزمان أو لوقوع بعض الحوادث المؤلمة التي أوجبت اختلالًا في المخ ، لم تصر معدومة رأساً بل هي باقية على النحو الذي كانت عليه ، إلّا أنّ النفس لا تقدر على إحضار تلك الخواطر ، لأنّها فقدت آلة الإحضار ، أو أصابها الضعف والاختلال . والدليل عليه ما أثبتته التجاريب الروحية : انّ الانسان ربّما يستحضر عامة السوانح التي مرّت عليها الحقب والأعوام ، في بعض الأحيان غير الاعتيادية والأوضاع غير الطبيعية ، مع أنّه لا يقدر على إحضار معشارها بباله إذا كان الوضع اعتيادياً .