السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

149

أصول الفلسفة

برهان خامس على تجرّد الفكر والعلم عن المادّة : نعقب البراهين الماضية بهذا البرهان لما فيه تحقيق للحق ولا يستفيد منه إلّا ذوو الأفئدة القوية ، والعقول الطامحة ، ويصعب تصوّره على من حبس نفسه في سجون الطبيعة وأقفاص الأُمور الحسية . وللمادّي ومن والاه في هذا الباب عذر واسع إذا كلّ عقله لدى تحليله ، أو وقف فهمه تجاه هذا البرهان ، لأنّه لم يأنس بدراسة هذه المعارف العقلية والبراهين العالية ، بل ظلّ يتفحّص في المادّة وشؤونها ، كأنّه ليس في الدار غيرها ديار . ودونك هذا البرهان على نحو الإجمال : التغيّر وعدم الثبات يعد من أظهر خواص المادة عند الأعلام ، فلا تجد لموجود مادي ثباتاً وركوداً ولا بقاءً ولا صموداً فالمادة والتبدّل متلازمان ، وسيوافيك بيان هذا الأمر في المقالة العاشرة عند البحث عن القوة والفعل والحركة والزمان . ولكن الإدراك والتصوّر والوقوف على الشيء لا تجتمع مع التغيّر والسيلان ، لأنّ أسهل التعابير عن حقيقة العلم هو الوقوف على الشيء بإدراك صورة منه ، وإن شئت قلت : انتزاع صورة من الموجود الخارجي بالأجهزة المناسبة أو كون المدرك واجداً لصورته في لوح النفس ، أو غير ذلك من التعابير . وعلى أيّ تقدير وتعبير ، فحقيقة الإدراك بأيّ معنى فسّر يمتنع أن يكون مادّياً سيّالًا متغيراً ، فإنّ الوقوف على الشيء يستدعي نحو ثبات للمعلوم ونحو قرار وتقرر وثبوت له ، فلا يجتمع السيلان مع الوجدان ، ولا