السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
133
أصول الفلسفة
فانّه من المستحيل أن يتمركز منظر يحدد بخمسة عشر كيلومتراً مع تلك المناظر التي أشرنا إليها آنفاً في صفحة لا يزيد طولها على 12 سانتيمتراً وعرضها 8 سانتيمترات . نعم ، ذلك التمثال يعطي روعة ذلك المنظر وسيماءه ، وعند التحقيق ليس على الصفحة الكارتونية المارة الذكر ، سوى نقط سوداء موزعة على طول سطحها ، سجلتها عدسة التصوير ( الكاميرة ) عندما أطلت على المنظر لتصويرها في لوحتها ، فدقق النظر تجد أنّ الاختلاف بين النظرتين ( الأُولى والثانية ) من أين وإلى أين ؟ عود إلى بدء : ماذا يقول العلم والفلسفة في حقيقة الإدراك ؟ ! أثبتت التجارب والمشاهدات العلمية « 1 » أنّ المادة الخارجية تؤثّر في الأعصاب عن طرق الحواس ، وأنّ هذا التأثير يستتبع أثراً مادياً في مواضع الإدراك .
--> ( 1 ) . قد جمع المادّيون مطالب من مختلف العلوم ( الفيزياء ، وعلم النفس ووظائف الأعضاء ) والغاية المتوخّاة لهم من هذا الجمع هو إرعاب الإلهيين الذين يعتقدون بتجرّد الروح والروحيات ، وهم يحسبون أنّ ما لفّقوه براهين دامغة على ما يدّعون مع أنّها لا تمس بدعواهم أصلًا ، وإليك بيان أُمور : أانّ الإنسان بصير على نفسه ومدركاته ، خبير على أنّ له علوماً وإدراكات ، وهي بمثابة من الوضوح والوجود لا يشك فيها إلّا من شك في وجود عالم الكون والشهادة كالسوفسطائي ، فانّه إن شك في كل شيء ، لا يشك في أنّ له علوماً وإدراكات ، ولو شك فيها أيضاً ، فانّما يشك في مطابقتها لنفس الأمر ، وكاشفيتها عن واقع سواها لا في نفس وجودها . ب أطبق العلماء المحدّثون والقدامى على أنّ الإداراكات الذهنية رهينة عوامل مادّية خارجة عن جو الذهن لا تحصل إلّا بها ، ولم تزل العلوم الطبيعية مطارح الأنظار طوال القرون الإسلامية وقبلها بين الأغارقة ، متسلّمين كل ما أثبتته التجارب والقواعد الطبيعية ، واقفين على أنّ للإدراك شرائط خاصة لا تحصل إلّا في ظروف معينة ، ضع يدك على أيتأليف منهم في العلوم الطبيعية ، تجد أسفارهم مملوءة بالبحث عن الإبصار وعلله وما انطوى في الباصرة من نظام بديع ، تدهش دونه العقول ، وما فيه من مياه وأغشية . ثم اعطف نظرك إلى مختلف المباحث المعنونة في الفيزياء في أعصارنا حول النور والصوت والأمواج الأثيرية ، وانّها كيف ترد الجليدية وتؤثر فيها ، ومثلها الأمواج الصوتية وانّها كيف تؤثر في الصماخ ، إلى غير ذلك من الشرائط فقد قبلها الأقطاب وغيرهم من المؤمنين بالواقعية الخارجية ، النافين عن أنفسهم السفسطة . هذا هو علم وظائف الأعضاء قد شرح الخبراء تحت المشراط العلمي أنّ للأعصاب في الحيوان والإنسان وظائف خاصة وأنّها تتأثر بالعوامل الخارجية وتظهر فيها آثار تلك العلل ، وقد تكفّل بيان هذه المباحث ذلك العلم الذي لم يزل يتسع نطاقه . هذا وما قبله قد آمن بهما كل من نفى السفسطة عن نفسه وعُدّ من المؤمنين بالوقائع الخارجية ، سواء في ذلك الفلاسفة الإسلاميون وغيرهم . نعم ليس لهم علم حضوري بكل ما ذكر بل أذعنوا لها من طريق العلم وناحية التجربة . ج انّ الوجدانيّات والنفسانيّات والأُمور الروحية ليست معلولات بلا علل بل الجميع يتبع نظام العلّية والمعلولية لا نظام الفوضى ورفض تلك النظام . والروحيّون وفي طليعتهم الفلاسفة الكبار معترفون بأنّ الروح والروحيات تابعة في وجودها وحصولها وتكوّنها لنظام العلّية ولا توجد إلّا تحت شرائط خاصة وظروف معينة . نعم ، النقطة الحسّاسة التي فرّقت المادّي والروحي إلى فرقتين هي أنّ الفلاسفة والروحيّين لا يعترفون بأنّ للروح وعوارضها آثاراً مادية وقالوا : إنّ القوانين المادية لها الحكومة المطلقة في جو المادة ومظاهرها وأمّا الروح وعوارضها ، فهي خارجة عن سلطة المادّة وقوانينها . وبالجملة فرق واضح : بين أن نقول : إنّ الروح لا تدخل تحت أيّ أصل وقانون وانّها مطلقة العنان ، ومهبط الهرج والمرج ، وأن نقول : إنّ لها نظاماً خاصّاً وأُصولًا معيّنة غير ما تراه في الأُمور المادية ، وهم لا يقولون بأوّل القولين وحاشاهم عن ذلك القول الموهون . وبذلك يظهر ما في كتب المادّيين ورسائلهم من الأكاذيب المبهرجة والمفتريات الشائنة ، التي لم يتفوّه بها أحد من الفلاسفة الأغارقة والإسلاميين فراجع للوقوف على هذه الأكاذيب إلى ما كتبه زعيم المادّيين في بلادنا الدكتور « أراني » في رسائله فلا نطيل بذكر ما كتب .