السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
112
أصول الفلسفة
المادّة الخارجية ، وغير المادّة الدماغية ولا يساوي هذه ولا تلك . أمعن أيها القارئ الكريم في هذه النظرية البالية المأثورة عن بعض الفلاسفة اليونانيين من الأغارقة الأقدمين ، وان اكتسى اليوم عند المادّيين ثوباً قشيباً وتجلّى لهم ، كأنّها نظرية جديدة في البحوث الفلسفية . أرجع البصر كرّتين ، وقلب ظهرها وبطنها مرة بعد أُخرى ترى أنّها تنادي بأعلى صوتها ، أنّ المعلوم الخارجي بما له من الحدود والجهات لا يقع في أُفق النفس ، وانّ الواقعية العينيّة لا تصل إلينا بذاتها وجوهرها ، وأنّ المعلوم لنا والحاصل عندنا لا يساوي المادّتين بوجه من الوجوه ، وان كان وليدهما ومتكوّناً منهما ، وإذا أمعنت ترى أنّ هذا هو القول بالأشباح المأثور عن بعض الأقدمين ، وهذا البعض كان يقول بأنّ الحاصل لدى ذاتنا ، والمعلوم لنا ليس إلّا شبح الخارج وشبهه ، لا نفس الواقعية الخارجية ، وإنّ الصورة العلمية تشبه الموجود الخارجي من جهة لكنّه يغايره في الحدود والماهية . وغير خفي على الخبير النابه ، أنّ هذا لا يكاد يفترق عن رأي المثاليّين في باب الإدراكات حيث قالوا : إنّ كل ما يناله الإنسان من الصور ، أمر اخترعه الذهن في محيطها ، ولا يحكي عن واقعية سواه ولا ينطبق على أمر وراء نفسه . وان شئت قلت : إنّ العلم بالشيء عند أهل التحقيق ، هو انكشاف الخارج على ما هو عليه بحيث لو برزت الصورة العلمية ، لانطبقت عليه انطباقاً حقيقياً فهي تساويه وتعادله لا تنقص عنه قدر شعرة ، وعندئذ لو قلنا بمقالة المادّيين من أنّ كل ما يدركه البشر ، ويسمّيه علماً وفكراً فهو وليد تفاعل المادّتين ومتكوّن من تأثّرهما وتأثيرهما ، تصير الصور العلمية والمفاهيم الذهنية ، والمدركات العقلية غير منطبقة على شيء من الموادّ الخارجية ، ولا