السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

101

أصول الفلسفة

الفلسفية قد كشفت الستار في أدوارها الأخيرة عن هذه المباحث بوضوح بحيث صار حجج القوم وبراهينهم أو ما لفّقوه وجاءوا به بصورة برهان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً ، غير أنّ اعترافهم ببعض الواقعيّات يصدّنا ويصدّ كل باحث منصف عن عدّهم من أصحاب السفسطة وزمرة المثاليّين . وبذلك تبيّن الحال في العرفاء الربّانيين ، الذين جعلوا طريق الوصول إلى المعارف ، المجاهدات الحقّة النفسانية ، والرياضات البدنية ، كما يتّضح الحال في المتمسّكين بالشرائع وأتباع الأديان حيث قصروا العلم الصحيح في المعارف بالمأخوذ من طريق الوحي السماوي النازل على قلوب الرسل والأنبياء . والعارف والمتشرّع مع اختلافهما في طريق الوصول إلى الحقائق يجمعهما الاعتراف بواقعية أو واقعيّات ، وراء النفس وتفكيرها ، ووراء الذات ورأيه ، يكابد كل واحد في طريقه لأن يصل إلى مرماه ، فهذا يجاهد بنفسه ويكابد ، ويرتاض بقواه الجسمانية وذاك يتمسّك بأذيال الوحي ، والسماع من صادق مصدق ، وعلى أيتقدير فالقوم على اختلاف نهجهم ومشاربهم ، من المؤمنين بالحقائق الخارجة عن الفكرة وصاحبها . وما حرّرناه يوضح حال جماعة أُخرى من الهرامسة « 1 » ومن جاء بعدهم

--> ( 1 ) . للهرامسة ذكر في غضون التاريخ ، كانوا من حملة العلوم والمعارف قبل الأغارقة بكثير ، لهم آراء وأفكار وتآليف وتصانيف حول الفلسفة الإلهية والنجوم ، يقف على نظرياتهم كل من تفحّص كتب الإغريق ، فانّهم تطفّلوا على علوم الهرامسة وأنظارهم . نعم لم يحتفظ التاريخ ترجمة صحيحة عنهم ، لطول عهدهم وتباعد قرونهم ، قال القفطي : هرمس الهرامسة هو المعروف عند العبرانيين ب « خنوخ » وعند اليونانيين ب « ارميس » وعند العرب ب « إدريس » أعطاه اللَّه الملك والحكمة والنبوة عاش في بلاد الفراعنة قبل الطوفان . حكى الاشكوري في « محبوب القلوب » عن ابن الجوزي : أنّ أوّل من نشر الحكمة والنجوم بين الناس بتعليم إلهي هو هرمس الهرامسة . وقال أبو معشر البلخي : إنّ الهرامسة عدّة من الحكماء العظام اشتهروا بالفضل والكمال وقد سكنوا الديار المصرية وبنوا الأهرام . . . وإليك ترجمة من ذكر باسمه من غير الهرامسة في المتن على وجه الاختصار : ( بليناس ) : أحد الحكماء الأقدمين ، نسب إليه كتاب « علل بليناس » ، نقله إلى العربية « القسّيس ساخنوس » جاء في مقدمة الكتاب بقصة غريبة من أراد فليرجع إليه . ( فيثاغورس ) : أحد الفطاحل من الرياضيين ، عاش في القرن السادس قبل الميلاد ، وله آراء رمزية في باب الأعداد حيث قال بأصالة العدد في الوجود وكلّما يوجد في الكون فانّما هو من ناحيته ، إذا حصل منه تركيب عددي وقد طرحه الشيخ الرئيس في الشفاء وفنّده بأحسن بيان . ومن نظرياته : انّ الأرض كروية متحركة ، وانّ الأرض وسائر السيارات التي منها الشمس تدور على مركز ناري غير مرئي . هبط الرجل ردحاً من الزمن بلاد الشرق وتتلمذ على علمائها آخذاً منهم آراءهم الفلسفية والسياسية ، ثم غادرها وآب إلى موطنه ( إيطاليا ) وقد اتّخذ لنفسه خططاً سياسية وآراء اجتماعية وعقائد في حقيقة المذهب ولم يزل يترقّب الفرص إلى أن اجتمعت حوله فئة كثيرة من الرجال والنساء وأكبّوا على أفكاره السياسية والاجتماعية ، غير انّه لم يطل به الموقف إلى أن ثارت الثورة وقامت الفتن ، وقتل الأُستاذ خلال ذلك ، نعم ورثه الحكيم « أفلاطون » في عقائده وآرائه الاشتراكية وأخذ ينشره بين الملاء في بلاده . ( أفلاطون ) : أحد الأساتذة الفطاحل من الفلاسفة ، نشأ في اليونان وتربّى بها إلى أن قضى نحبه عام 346 قبل الميلاد وينتمي من جانب الأب إلى بعض الملوك والساسة ، وينتهي نسبه من ناحية أُمّه إلى الحكيم المقنن الطائر الصيت « صولون » قرأ الآليات والرياضيات وفصولًا من الفلسفة ، على فيلسوف عصره « سقراط » ولم يزل يخدمه ملحّاً على الدراسة والتعلّم منه إلى أن قضى نحبه . ولافلاطون آراء وأنظار في الفلسفة الإلهية يتبيّن أكثره على ما ابتدعه من العقول العرضية والمثل النورية . جال الحكيم أكثر البلاد الخصبة بالعلم يوم ذاك وهبط ردحاً من الزمان الديار المصرية ، و « قيروان » وألقى رحله في « إيطاليا » مدة لا يستهان بها حتى برع أقرانه ووقف ب‌آراء أستاذه « فيثاغورس » طيلة إقامته فيها . برع الرجل حق البراعة في فن الكتابة وأوضح بقلمه السيال آراءه في سياسة المدن وإدارة الاجتماع ، وندب الأُمّة وفي طليعتهم الحكماء والعلماء إلى تشكيل المدينة الفاضلة وتحمل في طريق أُمنيته هذه جهوداً جبّارة لا يتحمّلها إلّا أصحاب الأهداف العالية ، فترك الأوطان متوجهاً إلى جزيرة « سيسل » عسى أن يجد فيها من ينتدب له غير انّه لم يصب هدفه بل قهر واسترق إلى أن اشتراه بعض أصدقائه فأعتقه غير انّ تلك العراقيل لم يصرفه عمّا كان يرومه ، فغادر وطنه مرة ثانية لنشر عقائده وبث آرائه ولكن عرقلت خطاه عراقيل فلم يصل إلى ما يتمنّاه إلى أن قضى نحبه . كان الرجل اشتراكياً بادئ الأمر ، وكانت أحب المسالك لديه في تدبير المجتمع البشري ، نعم عدل عنها وأبطلها بعد حين . ( افلوطين ) : أحد الأكابر من حكماء الأفلاطونية الجديدة ورئيسهم ، كان الرجل عارفاً مرتاضاً ولد عام 205 بعد الميلاد ، إلى أن أدركته المنية عام 270 ، لم يزل يضرب في البلاد ، من غربيها وشرقيها إلى أن هطب إيران والهند وتلّقى فيها الآراء العرفانية وله أثره الخالد « اثولوجيا » وإن كان ربّما ينسب إلى أرسطو .