السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

10

أصول الفلسفة

ولو كان الهدف لحماة العلم في جهودهم الجبّارة التي تحمّلوها في سبيله وكشف كنوزه ، هو التمتع بزهرة الحياة والتوصل به إلى لذاتها المادية ، وشهواتها الطبيعية ، لكان الخسران قريناً لهم ، ولو كان المحرّك لهم إلى تلك المصاعب والأتعاب ، ما يهمّ القوى الشهوية والغايات البهيمية ، فالاضطهاد في طريقه لماذا ، والحرمان عن لذائذ الحياة لأيّ جهة ؟ والذي يقضي به الوجدان السليم ، ويؤيّده السير في سير العلوم ، والامعان فيما جرى على علمائها ، هو أنّ الانسان مفطور على حبّ العلم ، والولع بفنونه ، وأنّ العلّة المحرّكة له نحوه لا تشبه العلل المادية ، والرابطة التي تربطه بعلومه لا تسانخ الروابط الجسمانية ، بل هي علّة فوق مستوى الطبيعة ، ورابطة أعلى من أن يحدّها البيان - ولأجلها - نجد الإنسان العالم صابراً على المكاره ، ومتثبّتاً في طريق تحصيله وان اقترن بالمكاره . الكون ومشاكله : لا شك أنّ العلم كلما كان أشد طرداً للريب والجهالة ونازلًا حريم اليقين ، وكان كلّي القواعد ، واسع النطاق خارقاً للحجب الضخام ، كان أوقع في النفوس بحيث ترتاح إليه القلوب ، وتشد إليه المواكب ، وتناخ دونه الرواحل . ولا شك أنّ الإنسان بطبعه وفطرته ، يريد أن يعلم ما يجد نفسه جاهلة به ، ويحاول أن يهتك حجاب الجهل عن وجوه ما خفي عليه ، غير أنّه يجد في نفسه عناية شديدة بتحليل مشاكل الكون ، وما يجري في نظام الخلقة من قوانين كلّية ، وما تحيطه من الأسرار والرموز . ويجد في نفسه رغبة أوفر وأوفى ،