صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
355
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
الإشراق التاسع في أن النبي جالس في الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات إن للقلب الإنساني وهو نفسه الناطقة التي هي مثال العرش ومستوى للرحمة كما أن العرش مستوى للرحمن بابين باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو عالم اللوح المحفوظ ومنشأ الملائكة العلمية والعملية كما وقع التنبيه عليه وباب مفتوح إلى القوى المدركة والمحركة . والله سبحانه كما أنه خلق الخلق ثلاثة أقسام منهم الملائكة الروحانيون فركب فيهم العقل دون الشهوة ومنهم البهائم فركب فيها الشهوة دون العقل ومنهم بنو آدم فركب فيهم العقل والشهوة فهكذا خلق الإنسان ثلاثة أقسام منهم المستغرقون في معرفة الله وملكوته المهتزون بذكره المتواجدون في عظمته وكبريائه الحائرون في أشعة جماله وهم الإلهيون من أولياء الله المفتحة لهم أبواب الملكوت ومنهم المكبون على الشهوات المحتبسون في سجن الدنيا المقيدون بسلاسلها وأغلالها فهم أهل الدنيا جميعا قد أكبهم الله على مناخرهم في النار وحبسهم عن نعيم الآخرة فسد عليهم باب الملكوت وفتح لهم أبواب الجحيم إلا من تاب وأصلح نفسه . ومنهم الجالس في الحد المشترك بين عالم المعقول وعالم المحسوس فهو تارة مع الحق بالحب له وتارة مع الخلق بالرحمة عليهم والشفقة لهم فإذا عاد إلى الخلق كان كواحد منهم كأنه لا يعرف الله وملكوته وإذا خلا بربه مشتغلا بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق . فهذا سبيل المرسلين والصديقين إذ لا شبهة في أن الجامع للطرفين أعلى في المرتبة من المحجوب عن أحدهما بالآخر لضيق صدره وعدم انطلاق لسانه فالنبي