صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمة 17
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
إن من أهم الأركان الأساسية لإدراك الحقائق من وجهة نظر ملا صدرا هو تقوية العقل عمليا وتكميل النفس عن طريق العبادات والرياضات وترك المشتهيات والإعراض عن المعاصي وتطهير النفس من الزوائل وتعزيز أسس المعرفة والاستعداد الروحي لتلقي الأنوار القدسية . « فابدأ يا حبيبي قبل قراءة هذا الكتاب بتزكية نفسك عن هواها ، ف قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها ، واستحكم أولا أساس المعرفة والحكمة ثم ارق ذراها وإلا كنت ممن أتى اللّه بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف إذا أتاها ، ولا تشتغل بترهات عوام الصوفية من الجهلة ولا تركن إلى أقاويل المتفلسفة جملة فإنها فتنة مضلّة وللأقدام عن جادة الصواب مزلّة » « 1 » . إن المسائل المطروحة في كتب ملا صدرا الفلسفية مطابقة تماما مع البراهين النظرية ، لأنه يأتي وبطرق مختلفة ببراهين على كل المسائل المدونة في كتبه ، وكل ما جاء في كتبه ، وكل ما جاء في كتب حكماء المشائية من مسائل فلسفية قام ملا صدرا وبحسب إقامة البراهين النظرية بتنظيمها وترتيبها أكثر من فلاسفة أهل الرأي وحكمائهم ، وتكلم في هذا المجال بلغة المشّاء ، كما صاغ المسائل ذاتها ونظمها على طريقة الإشراق ووفق بينها وبين القواعد « كما هو الواضح عند الحكيم الماهر والعارف الكامل الجامع بين المنقبتين » . * * * إن العقل ليس بمقدوره أن يرتقي إلى درجة معينة في المسائل المتعلقة بعلم الإلهيات والحقائق المرتبطة بالمبدأ والمعاد ما لم يتنور بنور الشرع ، لأن إدراك مسائل من هذا القبيل فقط باستخدام القوة النظرية ليس ميسورا رغم كون صاحب هذه القوة يقع في أعلى مراتب الإدراك . إن الحقائق والمعارف في المقام والمرتبة والأحدية التي هي مقام تعيين الحقائق موجودة بشكل وحدوي . ومن جهة وجوب التجانس بين المدرك والمدرك ووجوب التفاعل بين المتلقي والفاعل فإن الإنسان لا يمكنه أن يجد طريقا إلى ظوالم الوجود دون رفض التعيّنات والحدود وإلغاء تبعات المادة . ومن هنا كانت التقوى في القرآن الكريم شرطا لتعلم الحقائق الإلهية اتقوا
--> ( 1 ) لقد كان الأقدمون من الفلاسفة يجمعون بين مراتب الكشف والاستدلال . « صيرورة الإنسان عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني » يستحيل دون طيّ طريق الكشف ، فالفناء في العقول القدسية ليس فناء علميا بل هو فناء حاصل من صفاء النفس ، وقد حققنا هذه المسألة في شرحنا على « مقدمة القيصري » « قده » .