الشيخ داود الأنطاكي

76

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

به وقت الحاجة ، فانتفى ما قاله هذا المجيب . وأما ما قاله الملطي : من أن الأعضاء يضعف حرها الغريزي وقت الجوع فكيف تحيل البلغم غذاء خالصاً ؟ قواه جداً ؛ لأن الأعضاء لا تضعف عن التوليد بمجرد الجوع ، بل ببلوغه الغاية التي تحترق عندها الرطوبات ، وتوليد الدم من البلغم يكون أول ما يفرغ الدم الأصلي . وحاصل ما أقول في الجواب عن أصل هذا الاشكال : انه لم يثبت أن الأعضاء تولد خلطاً إلّا من البلغم ، والبلغم بنفسه قد ولدته الكبد وقربته إلى الدم حتى قدرت الأعضاء على تحويله فدل على أنه لو وصل الغذاء من إلى الأعضاء من المعدة غير الكبد لم تقدر على توليد خلط أصلي منه فتثبت الحاجة للكبد . وأما وجود الخلط غير الطبيعي خارجها ، فيؤخذ الجواب عنه من هذا . الثامن : إن المغذي للبدن على المذهب الحق هو مجموع الأخلاط ؛ لاختلاف الأعضاء ، فان اللحم أكثر ما يتغذى من الدم ؛ لمشابهته به والعظام من السوداء ونحو الرئة من الصفراء والنخاع من البلغم ، مع أن كل عضو محتاج إلى الكل ، لكن يتفاوت على قياس ما مر في التوليد . ولهذا فوائد كثيرة في ترتيب الأدوية ، وستعرفه في التشريح بأوضح من هذا . وقال أبقراط والشيخ والمعلم الثاني « 1 » والصابئ والملطي : إن الغاذي هو الدم وحده ؛ لأن المتحلل أجزاء حارة رطبة والغذاء يخلفه ، فيجب أن يكون مثله . وهذا القياس فاسد . أما بطلان الصغرى ؛ فلأنا لا نُسلم كون المتحلل ما ذكرته وحده بل المجموع . نعم ، الحار الرطب أسرع تحللًا ، ومن بطلانها يلزم بطلان الكبرى . قالوا ؛ ولأن النمو يكون بالحرارة والرطوبة وليس كذلك إلّا الدم . قلت : كونه بها لا يلزم أن يكون منها ؛ لأنها على قولكم فاعلية لا مادية ، وكلامنا في أن النمو منه لا به . قالوا : لو كان لغير الدم تغذية ؛ لكان المنعقد من الأعضاء ليناً كالبلغم والدم يابس كالصفراء

--> ( 1 ) هو : أبو نصر الفارابي ، من مدينة فاراب ، وهي مدينة من بلاد الترك في ارض خراسان ، وكان أبوه قائد جيش ، وهو فارسي المنتسب . أقام ببغداد مدَّة ثم انتقل إلى الشام وأقام بها إلى حين وفاته . ويذكر أن ابا نصر الفارابي سافر إلى مصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ، ورجع إلى دمشق ، وتوفي بها في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة . لاحظ : ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ص 557 ) . )