الشيخ داود الأنطاكي
74
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
به . وأقول : إن المفاضلة إن أُريد بها هذه الحيثية فلا نزاع فيما قلناه ، وإن أرادوا كثرة النفع والتغذية فالدم أفضل ، ولعله مقصودهم . الخامس : لا نزاع في صيرورة البلغم أي خلط كان والدم صفراء وسوداء ، والصفراء سوداء . وهل ينعكس الحكم فتكون السوداء أحد البواقي ؟ ظاهر ما نقلوه عدم جواز ذلك ؛ لأن الطعام المحترق لا يمكن رده معتدلًا ولا نيئا . وكلام الشيخ يشعر بالجواز ، فقد قال في السرسام أنه : إذا أفرط في تبريده صار بلغماً ، وهو مشكل . وعندي : أن المراد من هذا ، أنه يبطل ما هناك من الصفراء ويصير المتولّد من الغذاء بلغماً ؛ لبرد الأعضاء حينئذ لا أن الصفراء التي كان منها المرض هي المنقلبة ، فافهم ذلك فإنه دقيق . السادس : قال الفاضل الملطي : لم يذكروا كمية كل خلط في البدن ، بل قالوا أكثر الغذاء يكون دماً . وأقول : إن فترات الحميات ترشد إلى تحرير ذلك ؛ وذلك لأن الدم تكون عنه المطبقة وهي اما زائدة تنصبّ فيها المتحللات إلى مستوقد العفونات قبل انقضاء السابق ، أو ناقصة عكسها ، أو مصاحبة مساوية يتصل فيها زمانا الانصباب والتحلل ، فلنعتبرها منسوبة إلى فترة البلغم وهي ستة ، وتلك إلى الغب « 1 » وهي ستة وثلاثون ، وهي إلى الرَّبع « 2 » ، وهي ثمانية وأربعون ، فيكون المتولد في البدن المتعدل من الدم ستة أمثال البلغم ، ومن البلغم ستة أمثال الصفراء ، ومن الصفراء مثل السوداء مرة وثلث ، انتهى كلامه ملخصاً من الشافي . وهو استنباط جيد . لكن فيه نظر ؛ لأن الحكم على النوع المتوسط من المطبقة يجعله قياساً اقناعياً بل تحكم . ثم قياس فترات الحميات على البدن المعتدل بعيد جداً ؛ لأنها واقعة من ضعف القوى واشتغالها بالمرض ، والتوليد المذكور مفروض زمن الاعتدال والصحة ، وبينهما تباين . والصحيح عندي : أن كميات الأخلاط
--> ( 1 ) الغب : وهي احدى الحميّات ، تأخذ أولًا بقشعريرة ونخس كنخس الإبر . ( القانون ج 3 ، ص 48 ) . وسيأتي تفصيلها في الأمراض . ) ( 2 ) الربعِّ : وهي احدى الحميّات ، وسيأتي بيانها . )