الشيخ داود الأنطاكي
64
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
والبرد فجفت رطوباته فنقص غذاؤه وقاطره بخلاف العظم ، هذا لو سلمنا ذلك ، لكن لا نسلم ؛ لأنه لا يغذي فان الخفاش والنعام « 1 » يتغذى بالنار تأكله لحرارتها . وأما ان قاطره أقل ، فغير مسلم إذا اعتبرت ماءه الأبيض والأحمر والنشادر الخارج منه . فالغضروف فالرباط فالوتر فالعضل فالغشاء فعصب الحركة فالحسّ ، وأعدلها الجلد ؛ لأنه إذا قيس بأحرها كان أبرد أو بايبسها كان أرطب وهكذا ، وأعدل أجزائه جلد أنملة السبابة « 2 » ، ويندرج النقص في الاعتدال من بعدها شيئاً فشيئاً . وهذه القاعدة في مزاج الأعضاء ، ويتفرع عليها أمور مهمة في العلاج فان المرض البلغمي إذا اعترى الدماغ كان شديد النكاية ؛ لاتحاد الطبع واحتيج إلى مزيد التداوي فلا يكفي من الغاريقون « 3 » مثلًا ما يكفي المرض المذكورة لو كان في الرئة ، وهكذا البواقي فتنبه لذلك . الثاني : في مزاج المكان قال المعلم والشيخ وأتباعهما : إن أعدل الأمكنة خط الاستواء ؛ لتساوي الفصول فيه وبُعد الشمس وعدم الميل والعرض في غالبه ، ثم الإقليم الرابع ، ثم ما يليه من طرفي الثالث والخامس ، وأحراه الأول فالثاني وهكذا ، وأبردها السابع فالسادس كذلك ، وقال قوم إن خط الاستواء أحر الأماكن لملازمة الشمس والكشف . وفي المسألة طول بسطناه في مواضعه . وحاصل ما أقول : أن هذا التقسيم كله مدخول على المذهبين وأن الحكم تابع للميل والعرض ، فكلما زاد الميل زاد الحر ، والعرض البرد وحيث تساويا فالاعتدال ، ومن هنا احتاجت الأطباء إلى الهيئة . ثم البلاد تختلف بعد هذا الحكم الكلي في أنفسها فأعدلها ما ارتفع مفتوحاً إلى الجهات الأربع ، وأحراه ما انفتح إلى الصبا « 4 » والمشرق والجنوب ، وأبردها العكس وأيبسها من انفتح إلى الشمال والمشرق والعكس وهو الصبا من نقطة المشرق إلى الجدي حار يابس يلطف ويفتح السدد ويقطع البلغم
--> ( 1 ) النَّعَامَة : طائر كبير الجسم طويل العُنق والوظيف ، قصير الجناح ، شديد العَدْو ، وهو مركب من خلقة الطير والحجل . والجمع : نَعَام . ( المعجم الوسيط ) . ) ( 2 ) الأنْمُلَة : رأس الأصابع . ( المنجد في اللغة ) ، والسبابة : مؤَنَث السَبَّاب . ومن الأصابع التي تلي الابهام لتحريكها في وقت السب . ( محيط المحيط ) . ) ( 3 ) الغَارِيقُون : يُعزى استخراجه إلى افلاون . وهو رطوبات تتعفن في باطن ما تأكَّل من الأشجار حتى التين والجميز . وقيل : هو عروق مستقلة أو قطر يسقط في الشجر . والأنثى منه الخفيف الأبيض الهش ، والذكر عكسه . واجوده الأول . وهو مركب القوى ؟ ومن ثم يعطي الحلاوة والمرارة والحرافة . ( التذكرة ج 1 ، ص 551 ) . ولاحظ : ( القانون ج 1 ، ص 723 ) و ( الجامع لابن البيطار ج 3 ، ص 199 ) . ) ( 4 ) الصَّبا : بفتح الصاد والباء الموحدة وقصر الألف : هي رياح تهبّ في فصل الربيع من طرف الشرق . ( موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج 2 ، ص 1056 ) . )