الشيخ داود الأنطاكي

56

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

والطبيعيات : أن الكواكب فصلت مواد العناصر حتى جمعتها كيفية قامت عنها المولدات وأقره الشيخ وغيره . هذا ، وعندي فيه نظر ، لأن الكواكب يستحيل اجتماعها على نسب طبيعية بحيث تفصل ما يجب في الوقت الواحد في سائر البقاع ؛ لأن الشمس مثلًا إذا كانت في الجدي فما الذي يصل نحو هذا ، الرابع منها وبالعكس في الحبشة وهكذا البواقي . ودوام الحركة يمنع مناسبة المسامتة ويمتنع أن يقول : إن المزاج وقع أول الدورة . فقد قالوا : انها كانت في أول الحمل مجموعة . وفيه ما فيه ؛ لأنه يلزم وقوع الامتزاج أولًا في الإقليم الأول ، وقال أفلاطون « 1 » وفيثاغورس « 2 » ومقراطيس أن الامتزاج كان باعطاء العناصر قوة الاجتماع لما بينها من الانقلاب والتناسب . وهذا أشكل من السابق ، لأنه يستلزم اخراج العنصر عن موضوعه بلا قاسر ، وهو محال ، والا لجاز ارتفاع التراب عن الماء واستقرار الهواء تحته ، وأيضاً الانقلاب لم يقع إلّا بعد امتزاج وجه الأرض بالمختلفات ، وقد علمت مذهبي فيه . وأنا أقول : إن الفاعل المختار حيث اخترع البسائط من غير سبق هيولى ولا مادة ، كذلك اخترع المزاج منها ، ولئن لم تطب نفوسهم فلم لا يقولون إن النفس الكلية السارية في الكائنات استخلصت من العناصر هذه المادة ، أو يقولون إن القوى التي أمدت العالم من هذه الكيفيات انفصلت منها قبل تحركها إلى أماكنها كما مر في الطبقات . ثم التفاعل والانفعال يتمان بالتداخل ومجرد التأثير اما بالمجاورة أو الملاقاة . فهذه الأصول للكون ، وأول حادث عنها المعدن ضرورة والا لصح وجود النبات والحيوان في غير حيز . كذا قالوه . وعندي فيه نظر ؛ لأن النامي حيزه الترابي المطلق لا مطلق الأرض ، بل المتجة أن اختلاف المعادن لم يقع إلّا بعد تمام الكون ؛ لافتقار ذلك إلى الاملاح والزرانيخ « 3 » والزيابق وهي منه لما شاهدناه

--> ( 1 ) ويقال ( ( فلاطن ) ) وافلاطن . قال سليمان بن حسان المعروف ب ( ( ابن جلجل ) ) في كتابه : افلاطن الحكيم من أهل مدينة ( ( أثينيا ) ) ، رومي فيلسوف يوناني طبي عالم بالهندسة وطبائع الاعداد . بلغ من العمر احدى وثمانين سنة ، وكان حسن الاخلاق ، كريم الأفعال ، كثير الاحسان إلى كل ذي قرابة منه وإلى الغرباء ، متئداً حليماً صبوراً . لاحظ : ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ص 68 69 ) . ) ( 2 ) ويقال ( ( فوثاغوراس ) ) و ( ( فوثاغوريا ) ) ، وقال القاضي صاعد في كتاب طبقات الأمم : إن فيثاغورس كان بعد بندقليس بزمان ، واخذ الحكمة من أصحاب سليمان بن داود ( ( عليهما السلام ) ) بمصر حين دخلوا إليها من بلاد الشام ، وكان قد اخذ الهندسة قبلهم عن المصريين ، ثم رجع إلى بلاد اليونان وأدخل عندهم علم الهندسة وعلم الطبيعة وعلم الدين . لاحظ : ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ص 51 ) . ) ( 3 ) الزِّرْنيخ : عنصر شبيه بالفلزّات ، له بريقُ الصلب ولونه ، ومركباته سامّة ، يستخدم في الطب وفي قتل الحشرات . ( المعجم الوسيط ) . وفي تذكرة الأنطاكي انه : يسمى ( ( قرساطين ) ) باليونانية ، ومعناه : كبريت الأرض ؛ لأنه في الحقيقة كبريت غلبت عليه الغلاظة ، ويسمى ( ( العلم ) ) بلسان أهل التركيب . وهو من المولدات التي لم تكمل صورها ، وأصله بخار دخاني صادف رطوبة في الاغوار فانطبخ غير نضيج . وهو خمسة أصناف . ( ج 1 ، ص 416 ) . ولاحظ : ( مفردات ابن البيطار ج 2 ، ص 465 ) . )