الشيخ داود الأنطاكي
52
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الحكيم ، وهو محال فتعين الأول ، وهو العلة الغائية ، وهذه الأربعة داخلة لازمة في كل ممكن . ولنا فيها رسالة مستقلة حققنا فيها الحق في ايجادها وترتيبها . فصل : في الحد والموضوع قد بينا آنفاً أن كل عمل لا لغاية وأن توجه القوى العقلية إلى غير متصور محال . ودفع تحصيل الحاصل واقع بالاكتفاء بمطلق التصور لا بالتصور المطلق فلا تقف عنده ، والتصور الكافي هنا حاصل بالحد ؛ لتكفل اجماله بتفصيل ما سيأتي ، وقد علمت حدود العلوم سابقاً ، فلنلحق الطب ؛ لكونه المقصود هنا أصالة بزيادة فنقول : هو علم يعرف منه أحوال بدن الانسان من جهة ما يعرض لها من صحة وفساد « فعلم » كالجنس و « أحوال بدن الانسان » كالفصل لنحو النحو و « من جهة الخ » اخراج لنحو الطبيعيات . هكذا حدّه ابن رشد « 1 » والقدماء . وفيه : فرعية كل من الصحة والمرض . وحده الشيخ والملطى في الشافي وجالينوس « 2 » في غالب كتبه بأنه : علم بأحوال بدن الانسان يحفظ به حاصل الصحة ويسترد زائلها . وفيه : أن المرض عارض ، وهو جيد . لكنّ الظاهر الأول . وهنا مناقشات بسطناها في الشرح والتذكرة . وأما الموضوع فقد أوضح المعلم في الميزان أنه : ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية ، فيكون هنا بدن الانسان ؛ لأن الصحة والمرض له ، كذلك الطب باحث عنهما . ثم لا بد حينئذٍ أن يكون الموضوع الواحد لعلوم متعددة إذا اختلفت الحيثيات كالجسم من حيث التغير الطبيعي ، وافتقاره إلى الايجاد الإلهي ، وتركيبه عن النقطة وما بعدها للهندسة وهكذا . ثم هو قد يكون قريباً كالبدن للطب وعكسه كالعناصر ومتوسطاً كالامزجة ، وتحقيق ذلك كله راجع إلى الحكيم ، فإنه هنا كالأصول للفقه كما يتعلم الفقيه منه أن فروض الوضوء
--> ( 1 ) هو القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد ، مولده ومنشؤه بقرطبة ، مشهور بالفضل معتنٍ بتحصيل العلوم ، أوحد في علم الفقه . . . وكان أيضاً متميزاً في علم الطب . لاحظ : ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ص 487 ) . ) ( 2 ) هو قلاوديوس جالينوس ، ولد حوالي سنة 130 م في ( ( برغامس ) ) في ( ( ميسيا ) ) ، وتوفي سنة 200 م ، وكان عالماً بطريق البرهان خطيباً ، ولم يسبقه أحد إلى التشريح . ( طبقات الأطباء والحكماء ) . وراجع : ( عيون الأنباء ، ص 95 ) . )