الشيخ داود الأنطاكي

175

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

بمثله من الاجزاء كتأليف المركبات بحكم الطبيعة . وبهذا يبطل ما قالوه أيضاً : من أنه كان يجب أن تلد المرأة بلا ذكر لكون الأعضاء كاملة في منيها ؛ لأنا نقول بأن مني الذكر فاعل وذلك قابل والمجموع شرط في الظهور . قالوا : ولو كان التشابه مكفياً بما في الاجزاء ؛ لما كان الشخص الواحد يلد ذكوراً مدة ثم إناثا مدة وهكذا ، ولما كان المني الواحد يتولد منه مختلفات متعددة . وهذا مردود ؛ بجواز تغير الحرارة والبرودة زمناً وسناً وغيرهما ، وبان كل زرقة من زرقات المني يجوز أن تكون مستقلة . هذا حاصل كلام الفريقين ، وليس تحته طائل لنقض الثاني بما علمت ، والأول بعدم الانتاج للمطلوب . والذي يظهر لي : أن الحق مع الطريق الثاني ، ولكنهم قصروا في استنباط الأدلة . وايضاحها أن نقول : لو كان مختلف الاجزاء لم يولد مقطوع اليد إلّا ناقصها ، لعدم اجزائها ؛ ولأن الشخص قد يلد ما لا يشبه احداً من أهله ، ومن يشبه الخامس من الأجداد كما صرح به في الشفاء في قصة الحبشية . وأما المشاكلة في الضعف والأمراض فللمزاج . وبالجملة ، فالامر مستند إلى القوة المصورة كما مر ؛ ولأن المني لو لم يكن مختلف المزاج ما فسد بالطوارئ وصح بالعلاج . ولو كان مختلف الأجزاء لأحبل صحيح الأعضاء حال فساد مزاجه ، ولم يختلف الماء باختلاف الغذاء حيث الأعضاء موجودة ، والكل باطل . إذا عرفت هذا فاعلم : أن المعلم حين دوّن العلوم اجتهد في إخفائها ما أمكن ، فربما استغنى بصغرى القياس تارة وكبراه أخرى ، والنتيجة مرة والمجموع أخرى ، فاستنبط جالينوس من كلامه لقصوره في المنطق انه ينكر مني النساء فشنع وأطال . وقد أفحش الشيخ في الرد عليه حتى قال : إن غلطه كان بسبب التباس القياس الحملي بالوضعي عليه . ثم تصدى الرازي لإحالة الخلاف فقال هذا البحث ،