الشيخ داود الأنطاكي
173
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
قلنا : ليس على الطبيب منع الموت ولا الهرم ولا تبليغ الاجل الأطول ولا حفظ الشباب ؛ لعدم قدرته على ضبط ما ليس إليه امره كتغير الهواء ووروده على الأغذية من حيوان وغيره ومشقة الاحتراز في تعديل المآكل والمشارب وغيرهما ، وعدم امكان جلب الفصول على طبائعها الأصلية فقد ينقلب كل منهما إلى الآخر ، وانما عليه اصلاح ما أمكن من دفع ضارٍ منافٍ وحفظ صحة إلى الاجل المعلوم . فإن قيل : موجبات الموت والحياة ولوازمهما ، اما أن تكون بتقدير الصانع ايجاباً وسلباً كما هو الحق ، أو باقتضاء طوالع الوقت ، وكلا التقديرين ليس للطبيب قدرة عليه ، فانتفت الحاجة اليه . قلنا : لو كان الأمر كذلك لكان الاكل والشرب وسائر ما به القوام من هذا القبيل ، فكان يجب تركه ؛ لأن المقدر من بقاء البدن إن كان بدونها فلا فائدة في تعاطيها ، أو بها لزم . والكل باطل . بل هي تقادير علق الأمر عليها كما في محله فكذا الطب ، وبه جاءت السنة عن أرباب النواميس ، فقد قال عليه الصلاة والسلام ( تداووا فإن الذي انزل الداء انزل الدواء وما من داء إلّا وله دواء ) ، إلى غير ذلك ، ( فقيل له أيدفع الدواء القدر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الدواء من القدر ) . إذا عرفت هذا : فمن الواجب علينا أن نبدأ في تدبير الصحة من أول الوجود فنقول : لا خلاف في أن وجود النوع اولًا كان بحكم الاختراع ، وقد عرفت الكلام فيه ، فاذاً الصحة اما أن تحفظ بحسب بقاء نفس الشخص ، أو بالنظر إلى ايجاد النوع ، ولا زيادة في الثاني على الأول سوى الكلام على توليد الماء وصفة القائه في الارحام ، وما ذا يجب له إلى أن يخرج ، ثم بعد الخروج يتحد الأمران إلى انحلال الوجود ، فلنرتب ذلك اولًا فأولًا على النظم الطبيعي .