الشيخ داود الأنطاكي
165
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الفصل الرابع : في النوم واليقظة وهما من الأسباب الضرورية ، لفساد البدن باختلافهما أو بطلان أحدهما ، واليقظة استخدام النفس القوى الظاهرة فيما هي له لعدم المانع ، والنوم بطلانها بتراقي بخارات ترفعها الحرارة عند غورها ، وهما يعدلان البدن بتنقية الفضلات والنضج وتحسين الألوان وتقوية الفكر والحس ، إن وقعا طبيعيين والا فلا . والطبيعي من النوم ما وقع على توسط في المأكل والمشرب وكان ليلًا ، فالواقع على الجوع مجفف محلل للقوى جالب للبخار ، وفي النهار يكون سبباً لنحو الرعشة والاستسقاء والفالج وتغير الألوان . لكن قال ابقراط : لا يجوز لمعتاد قطعه إلّا تدريجاً ، هذا قولهم . وظاهر التعليل لا يساعدهم على المطلوب ، فقد قالوا : إن النوم تغور فيه الحرارة عن ظاهر البدن ؛ ولذلك يحتاج النائم إلى دثار أزيد من اليقظان ، فعليه يجب أن يكون نوم النهار معدلًا للامزجة ؛ لأن حرارته تقوم مقام التي فارقت بخلاف الليل . فإن قيل : يلزم منه فرط التحلل وسرعة الشيب والهرم ؛ لتوالي الحرارتين معاً . قلنا : يجب أن تكون اليقظة كذلك ، وأن يكون نوم الغدوات جيداً ، وقد منعوا ذلك . ويمكن الجواب عن هذا : بأن اليقظة يكون الباطن فيها بارداً وأطراف النهار غير خلية عن الحرارة في الجملة ، وأكثر ما يكون سبع ساعات وأقله ثلاثة . واليقظة تنشط وتجفف ما رطب فاعتدالهما موجب للعدل . وطول النوم مبلد مكسل مرخ مبخر ، واليقظة جالبة للوسواس والجنون والهزال . ثم الضرر الحادث عن النوم وكذا النفع يختلفان باختلاف الخلط والغذاء ، فإن كان جيداً اصلح به والا فسد ، فإن النوم بعد نحو الثوم والخردل « 1 » يورث من ظلمة البصر امراً مشاهداً ، ومن صحة البدن بعد نحو السكر ما هو ظاهر ؛ ولذلك منع علماء التعبير من تأويل منام المبرود وفاسد الدماغ ، واعتبروا صفاء الخلط
--> ( 1 ) الخَرْدَل : نبات عشبي حرِّيف من الفصيلة الصليبية ينبت في الحقول وعلى حواشي الطرق ، تستعمل بزوره في الطب ، ومنه بزور يتبَّل بها الطعام . ( المعجم الوسيط ) . وقال الأنطاكي في تذكرته : هو ( ( اللبسان ) ) . وأصوله بمصر تسمى ( ( الكبر ) ) ، وهو من تحريفهم لما سيأتي أن الكبر هو القباري . والخردل نوعان : نابت يسمى ( ( البري ) ) ، ومستنبت وهو ( ( البستاني ) ) . وكل منهما اما ابيض يسمى ( ( سفندا سفندا ) ) وأحمر يسمى ( ( الحرش ) ) . وكله خشن الأوراق مربع الساق اصفر الزهر ، يخرج كثيراً مع البرسيم . حرِّيف حاد . إذا أطلق يراد بزره . ( ج 1 ، ص 335 ) . )