الشيخ داود الأنطاكي
161
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الحسن والقبيح ، ونهايات وهي الاستغراق والغيبة عن تعقل ما به النظام ، وكل ذلك حاصل بأشياء تفعل في القوى افعالًا غريبة ، وتلك ثلاثة أقسام ، مفرحات ومخدرات ومسكرات . وقد إختلطت عبارات الأطباء عن ذلك ، وأنا أوضح معنى الكل ، وكيفية الأفعال الصادرة عنها ، فأقول : كل وارد على البدن مما له العمل بالصورة إما لطيف كالخمر أو كثيف كالحشيشة ، والأول يحصل فعله بسرعة قبل أن تسقط قواه ، فلا جرم تكون افعاله محسوسة بقوة والآخر بالعكس . ثم الفعل هنا إما احساس بانحلال المفاصل وطلب السكون إلى الراحة مع بقاء العقل والقوى على الصحة ، وهذا هو التخدير ؛ لأن الخدر نقص الاحساس وحبس الرطوبات ، ويكون هذا عن نحو الجوزة والبنج الأبيض « 1 » . واما اشتداد في البدن وقوة في الاحساس والنشاط مع بقاء حالات البدن كلها مع الوجه الصحيح ، وهذا هو التفريح المراد في عبارات المحققين ، ويكون عن نحو الياقوت المحلول وحبوب اللؤلؤ والسوطيرا « 2 » أو معجون العنبر . وأما بطلان الحس وذهول عن الصواب قولًا وفعلًا ، وهذا هو الاسكار مطلقاً ، ويكون عن التوغل في الخمر والأنبذة ، وعن أخذ ما كثف بخاره وكثرت دخانيته بسيطاً كان كالتربس « 3 » والحشيشة والبنج الأسود ، أو مركباً كالافلونيا « 4 » والسجريدات الممزوجة . فقد بان لك ما به التفاوت في هذه الأشياء وأن الخمرة هي الجامعة لهذه المطالب بتفاوت التدبير ، وقد ذكر من امرها ما فيه كفاية ، فلنلخص من غيرها كذلك فنقول : الأشربة المعدّة لهذا النمط كثيرة ، وأفضلها بعد الخمرة شراب يسمى « الاورمالي » باليونانية ، وهو شراب ينقي الاخلاط وكدورات الألوان والسدد واليرقان وعسر البول ويفتت الحصى ويفتح الشهوة ويشفي الربو وعسر النفس ، وفيه تفريح جيد وقوة شديدة . وصفته : أن يعجن الدقيق النقي الخالص بماء النعناع والورد والقمر في أحد البروج
--> ( 1 ) البَنْج : بالعربية ( ( السيكران ) ) ، وباليونانية ( ( أفيقوامس ) ) ، والسريانية ( ( أرمانيوس ) ) والبربرية ( ( أقنقيط ) ) ، ويقال : ( ( اسقيراسن ) ) والبربرية ( ( أقنقيط ) ) ويقال : ( ( اسقيراسن ) ) . وهو نبات ينبسط على الأرض دائرة ويرتفع وسطه دون ذراع ، شديد الخضرة ، مزغب القضبان ، غليظ الورق ، مائي ، مشقق الأطراف ، له زهر فرفيري يخلف حبّاً أسود وأصفر وأحمر وأبيض ، وكلها في أقماع لا فرق بينها وبين الجلنار في استدارة الأصل وتشريف الدائرة . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 213 ) . ولاحظ ( القانون ج 1 ، ص 401 ) ، وفي الجامع لابن البيطار : هو الشيكران بالعربية . ( ج 1 ، ص 160 ) . ) ( 2 ) السوطيرا : لفظة يونانية معناها : ( ( المخلص الأكبر ) ) صناعة الأستاذ لفيلجوس الملك . اتفق الأطباء على أنه مضمون العاقبة جليل النفع عظيم القدر يقارب الترياق الكبير . لاحظ : ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 468 ) . ) ( 3 ) كذا ، والصحيح : ( ( الترمس ) ) . والترمُسُ هو : الباقلاء المصري . وهو نوعان : بستاني وبري ، وكلّه مفرطح منقور الوسط بين بياض وصفرة ، شديد المرارة والحرافة . يدرك بحزيران ، ورائحته ثقيلة . ( التذكرة ج 1 ، ص 232 ) . ( القانون ج 1 ، ص 688 ) . ) ( 4 ) الأفلونيا : معجون نسب إلى ( ( أفلن ) ) ، وهو طبيب رومي . اتخذ أولًا خاصية تسكين الأوجاع . ( بحر الجواهر ) . ولاحظ : ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 131 ) . )