الشيخ داود الأنطاكي
148
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
هذه الرسالة شيئا من القواعد ، فلنتكلم الآن على الغذاء ، ثم نذكر جميل الدواء والسم في الجزئيات إن شاء الله تعالى فنقول : قد عرفت المطلوب من الغذاء هنا ، فيجب أن يكون أجوده القابل لمشاكلة المغتذي ، وليس كذلك غير اللحوم ، فتكون هي الأجود ، ويليه ما سيصير إليه بأحكام الطبيعة ، وذلك هو البيض قال جالينوس : ويليهما اللبن ؛ لأنه من اللحم . كذا نقلوه وأقره المعلم . وعندي فيه نظر ؛ لأن الغذاء قد عرفت أن الحاصل للبدن منه هو الجزء الحار الرطب ؛ لأن به الحياة وإلا لتساوى العدس والفراريج ، وهو باطل . ولا شك أن الأغلب في اللبن البرد ؛ لأنه ثلاثة أشياء دهنية حارة رطبة ، ومائية باردة رطبة ، وجبنية باردة يابسة ، فكان الأولى أن يقول ويليهما السمن . إذا عرفت ذلك فاعلم : أن الغذاء ينقسم إلى محمود ومذموم ومتوسط ، وكل اما لطيف أو كثيف أو معتدل ، وكل اما كثير الغذاء أو قليله أو وسط بينهما . فهذه سبعة وعشرون قسماً ينحصر فيها الغذاء عقلًا . وقد ينقسم بحسب عوارض آخر ، إلى اقسام أخر كانقسامه إلى جيد الكيموس « 1 » ورديئه ، فإن ضربت ما مر فيهما صارت اقسام الغذاء أربعة وخمسين قسماً ، كذا قالوه . وعندي : انه ينبغي أن يكون هنا معتدل بين القسمين ، فتكون اقسام الغذاء أحداً وثمانين ، لكني لا أرى فرقا بين الكيموس والغذاء القريب ، وليس الصائر بالعقل إلّا عنه . نعم ، إن قالوا : بأن الكيموسات الجيدة يكون عنها غذاء ردئ وبالعكس ، صح هذا التفريع والتقسيم ، ولم ار من أشار إليه . والذي يظهر جوازه ، فإن بدن الأبرص مثلًا يحيل الحار اليابس بلغماً . والأبدان الصحيحة تحيل مثل القديد « 2 » دماً صحيحاً كما هو ظاهر . وحاصل الأمر : أن الغذاء متى سهل انفعاله مع القوى كان لطيفاً وبالعكس ، ومتى كان سليم الغائلة فمحمود ، أو كان المتحول منه إلى المشابهة أكثر ، فهو الكثير الغذاء ، أو كان عديم التعفن والفساد ، فهو
--> ( 1 ) الكَيْمُوس : الخلاصة الغذائية . وهي مادة لَبَنيَّة بيضاء صالحة للامتصاص تستمدها الأمعاء من المواد الغذائية في أثناء مرورها بها . ( المعجم الوسيط ) . ) ( 2 ) القَديد : اللحم المشرَّر المقدَّد . ( محيط المحيط ) . )