الشيخ داود الأنطاكي
140
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
وشخص وصناعة في كل هذا تحقيق التقسيم لاما ذكره أبو الفرج ، فإنه تحكم لا دليل عليه . ثم هي باعتبار آخر تنقسم إلى : مادية : وهي كل وارد على البدن من خارج يوجب وروده حالة بدنية كتسخين الشمس حيث يوجب الصداع ، ومرق الفراريج حيث يوجب صحة الدم . وإلى سابقة : وهي كل بدني يكون عنده المرض بواسطة ، كالامتلاء في ايجاب التعفين المستلزم للحمى ، وكدلائل النضج في البحران ، فإنه يدل على انحلال المرض المنتج للصحة . وإلى واصلة : وهي بدنية توجب ما توجبه بلا واسطة ، كالتعفين للحمى وانفجار العرق بالرعاف في الصحة من الصداع الدموي . وبين هذه اتفاق وافتراق ، فالسابقة والواصلة متفقان في كونهما بدنيين ، والبادية والسابقة في ايجابهما بواسطة وفي زوال أحدهما مع مقام ما أوجبه أو في تخلف اثره عنه ، ومنه يعلم الافتراق ، وكل ذلك أكثري . ثم الأسباب منها ما يخلف غيره وإن زالا كالتسخين فإنه قد يفضي إلى الحمى ومنها ما ينفك إلى ايجاب شيء كالتبرد الخفيف . وحدّ مراتب الأسباب على ما مثلَه الفاضل العلامة ست مراتب ، فإن أكْل لحم البقر مثلًا يوجب الامتلاء وعنه التعفين ومنه الحمى ، وهي تفضي إلى السل وهو إلى القرحة . ويشترط في كل ذلك الفاعلية والقابلية والزمن المتسع للتأثر ، فلو اختل واحد لم يلزم الحكم المترتب عندنا ولا يكون اصلًا عند قدماء الفلاسفة . ثم السبب قد يكون مطلقاً كذلك كالاستحمام بالبارد شتاء . وقد يكون سبباً من وجه كالتعفين للحمى مرضاً من آخر كهي للسل . واما الأسباب النفسية كالغضب والفرح ، فقد صرح المعلم بأنها بادية وتبعه الشيخ والفاضل أبو الفرج ، ثم فهموا عن العظيم المحقق أن ذلك لكون النفس جوهراً مجرداً يدبر الجسم دون أن يتغير فيكون خارجا عنه . وعندي في هذا نظر ؛ لأن الكلام في الأسباب هنا على رأى الأطباء ، وهم لا حاجة بهم إلى الكلام في النفس المذكورة ؛ لأنه من شأن الفلاسفة ، بل أقول : إن الأسباب المذكورة انما عدت بادية ؛ لأنها تعلل