الشيخ داود الأنطاكي
132
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
ينكره . وايضاً قد ثبت في الفلسفة أن الطبيعية يتم فعلها من غير اشعار به كالنار في الصعود وهذه لها شعور بلا شبه ؛ لأن الغضب مثلًا غليان دم القلب عند الاحساس بالمنافر صاعداً إلى القوى الدراكة ليبعث النفس على الانتقام . وأما الطبيعية عند الطبيب ، فهي الفاعلة لما مر وهذه ليست كذلك . واما النفسية ، ففي الفلسفة كمال اولي كما سبق ، وفي الطب مبدأ الحس والحركة ، وهذه ليست شيئا من ذلك على المذهبين لما عرفت . فروع الأول : إذا كانت هذه القوة هي الجاذبة للهواء والموجبة للكيفيات الحيوانية ، تعين صدور أكثر من واحد عنها ، وقد قرروا بطلانه . والجواب : انها واحدة بالجنس خاصة كغيرها . الثاني : قال المعلم إن الكيفيات نحو الكرم والشجاعة صادرة عن هذه ؛ لوجودها في غير الانسان كعفة الأسد عن باقي الفريسة وغضب الفهد عند عجزه عن الصيد . فيجب على ما قاله أن تكون ركناً لهذه الأفعال . قال الفاضل أبو الفرج : ولم يبينوا هذا الطريق ، ثم قرر هو ما حاصله : انها ليست احدى العلل الأربع . وهذا تناقض ؛ لأنها إن كانت داخلة فلا بد وأن تكون من الأربعة ، أو خارجة فلا بد من بيان الاستناد إليها . وقال المعلم الثاني : انها مادية لهذه الكيفيات . وهو فاسد أيضاً ، والا لكانت جزء الغضب مثلًا وهو باطل . والشيخ لم يلتفت إلى هذا . وأنا أقول : إن هذه القوّة خارجة عن هذه الأفعال ؛ لأن المادة بها الكيفيات ، والا لم يكن المحرور أكثر غضبا ووقاحة « 1 » ، والمبرود أكثر خوفاً وجبناً ، وقد وقع الاجماع على ذلك ، فتكون المادة الكيفيات . واما الصورية فنفس الأفعال . والغاية تبليغ ما من شأنه ذلك كالاعراض عما لا تسمح به غالب النفوس من المحبوب طبعاً في الكرم والضرب والشتم والغضب ، فتعين أن تكون الفاعلية هنا هذه القوة ، وليت شعري بمَ يمنع هذا .
--> ( 1 ) الوقاحة : قلة الحياء . )