الشيخ داود الأنطاكي
114
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
خاتمة تشتمل على مهمات تلزم هذه الصناعة ؛ لأنها من ضروريات معارف الحكيم المتصدي للنظر بعقله الموهوب في دقائق صناعة واجب الوجود تعالى ، وهي أمور : % الأول : في البحث عن تحقيق مبدأ الخلقة وكيفية التكون والتخليق . وأبلغ ما ارشد إلى تقرير ذلك اشرف الكتب الإلهية وأدق المعاجر السماوية المنزل على خلاصة العالم ؛ وعين افراد بني آدم ، قال جل من قائل ولقد خلقنا الإنسان « 1 » : يعني ايجاداً واختراعاً ؛ لعدم سبق المادة الأصلية . من سلالة هي الخلاصة المختارة من الكيفيات الأصلية ، بعد الامتزاج بالتفعل الثاني مما ركّب منها بعد امتزاج القوى والصور . والتنويه باسمه إما للصورة والرطوبات الحسية ، أو لأنه السبب الأقوى في تحجر الطين وانقلابه وكسر سورة الحرارة وأحياء النبات والحيوانات اللذين هما أصل الغذاء الكائنة عنه النطف ؛ وهذا الماء هو المرتبة الأولى والطور الأول . وقوله من سلالة : يشير إلى أن المواليد كلها أصول للانسان ، وانه المقصود بالذات الجامع لطبائعها كما مر . ثم جعله نطفة بالانضاج والتخليص الصادر عن القوى المعّدة لذلك ، ففي قوله تعالى ثم جعلناه نطفة « 2 » تحقيق لما صار إليه الماء من خلع الصور البعيدة . والضمير اما للماء حقيقة أو للانسان بالمجاز الأولى . وقوله في قرار مكين : يعني الرحم ، وهذا هو الطور الثاني . ثم قال مشيراً إلى الطور الثالث ثم خلقنا النطفة علقة « 3 » ، أي : صيرناها دماً قابلًا للتمدد والتخلق باللزوجة والتماسك . ولما كان بين هذه المراتب من المهلة والبعد ما سنقرره ، عطفها بثم المقتضية للمهلة ، كما بين ادوار كواكبها ، فإن زحل يلي أيام السلالة المائية لبردها ، والمشتري يلي النطفة لرطوبتها ، والمريخ يلي العلقة لحرارتها ، وهذه الثلاثة هي أصحاب الادوار الطوال .
--> ( 1 ) سورة المؤمنون : الآية 12 . ) ( 2 ) سورة المؤمنون : الآية 13 . ) ( 3 ) سورة المؤمنون : الآية 14 . )