الشيخ داود الأنطاكي
108
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
القول في تشريح الباطن وذكر ما أودع الحكيم فيه من آلات الهواء والغذاء ودقائق تأليف ذلك اعلم أن الحيوان لا بقاء له بدون ما يتأداه من الهواء والغذاء والشراب ؛ ليعدل بالأول ما لولاه لاحترق به من الحرارة ، ويخلف بالثاني ما تحلله الحركة ونحوها من أجزاء بدنه ، ويوصل بالثالث الغذاء إلى غايته . فان قيل : نجد من الحيوان ما يعيش العمر الطويل بغير الماء ، كالظباء السندية والنعام الوحشي ، فلو كان ضرورياً لما جاز ذلك . قلنا لا شبهة في أن غاية الماء ما ذكرناه كما سيأتي فإذا جاز الايصال والتفريق بغيره لعارض جاز الاستغناء عنه ، ولا شك أن الظباء المذكورة لا تغتذي بغير النبات السريع التحلل فيكفي فيه حركتها والهواء . واما النعام فحرارتها الغريزية شديدة الاشتعال لا تبقي ما يتكثف ، ولما كانت عناية الحكيم تعالى وتقدس مصروفة إلى بقائه مدة ينقضي فيها ما خلق له ، لا جرم ركب في باطنه أعضاء قائمة بها قوى إلهية بها يتصرف فيما هي له . % وأول هذه الآلات فضاء الفم : حصنه بالشفتين المشتملتين على انطباق وانفتاح وحركة محكمة وجعله حساساً ملساً يشعر بالمنافي فيلقبه ولا يمسك الطعام في اجزائه فيتغير ، وقدره في كل حيوان بحسبه كعظمه في عظيم الجثة ليقدر على أخذ ما يقوم به ؛ فلذلك أماط عنه الأسنان في الطير ؛ لئلا تكون عائقة له عن اختراق الهواء وعوضه المخالب الخفيفة وطول العنق الموجب لقوة الطيران وزينه في غيره بها ؛ لتكون عوناً على سحق الأجسام الصلبة التي لو وصلت بدونه لاوجبت فساد الآلات ، وباللسان للادارة والازدراد ، وأوصل غشاءه بغشاء المريء مملوساً ؛ لتزلق الطعام وغطى مسلك الهواء عند البلع ؛ لئلا يسقط فيه من الطعام والشراب شيء فيهلك الحيوان ، وجعل مجرى الهواء صلباً ؛ لأنه لطيف لا يزدحم ومجرى