الشيخ داود الأنطاكي
100
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
أن المريد نظر ما دقَّ يقصد الأماكن المرفوعة ، كذا قالوه . وعندي أن هذا التعليل غير ناهض ؛ لأن حيوانات الماء غالبها عديمة الدماغ ولها بصر في زائدتين على الكتف ، وكذلك مردقون ينظر بقرنيه . ولو كان المراد الاحرز والارفع ؛ لكفى الرأس دون الدماغ كما في السرطان . والذي أقول : إن الصانع جل اسمه أراد اظهار ما دقَّ من الحكمة في هذا التركيب . وقد خلق القلب شديد الحرارة فأراد التعديل ، فاوجد الدماغ بارداً رطباً وجعله مسامتاً لنقطتي الكرة في المقابلة ليحصل التعديل ؛ ومن ثم إذا فقد أحدهما خرج التركيب . الا ترى أن الحية حين خلقت بلا قلب صعدت الحرارة إلى رأسها فاحترقت واستحالت سماً في الغدد الرخوة . وبعض السمك لما عدم الدماغ اعتاض عنه بالماء ؛ ولذلك يموت إذا فارقه . فقد بان لك أن الحكمة لما ذكرنا لك خاصة . ولما انتصبت قامة الانسان مست الحاجة إلى هذا التعديل بزيادة دون غيرها . ولو كان الحق ما ذكروه ؛ لكان يجب أن تكون العين في ذوات الأربع في وسط الرأس ؛ لأنه ارفع من الجانبين . وهذا القائل لم يمارس غير تشريح الانسان ؛ فلذلك لم يهتد إلى دقائق الحكمة . ومن أراد تفصيل سائر الحيوانات فليراجع ما ذكرناه في التذكرة . القول في تشريح العين هي العضو الحساس الآلي المخلوق لأدراك المبصرات عند المقابلة حيث لا مانع ، وهي ثلاثة اجزاء . المقلة ، وهي الجزء المقصود بالذات ، واللحم المحيط بها والأجفان . واما شعر الجفن فليس من العين وانما عضد به الجفن دقة وعناية ، حتى قال المعلم : إن الهدب يوجب الايمان الغيبي بالمبدع الأول . فالمقلة ، أولها مما يلي الرأس طبقة تسمى « العظيمة والصلبة » وهي طبقة مدت من طَرفي الغشاء الصلب تحت الحجاج مستديرة واسطة بين العظم وما بعده من الاجزاء اللينة ؛ ليكون التركيب تدريجاً . ثم