علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )

17

كتاب المختارات في الطب

للمرُتين ، وذلك لأن البلغم قريب الشبه بالدم ، فإذا عدم البدن غذاء لاحتباس مَدَد من المعدة والكبد عطفت عليه الحرارة الغريزية فهضمته واحالته دماً واقامته بدلًا وكذلك ليبل الأعضاء ، والمفاصل الكثيرة الحركة فيمنعها من الجفاف لفرط تحليل الحركة فهذه منافع الفضول . وأما الدم الحاصل من هذه الجملة فينفذ في عرق طالع من حدبة الكبد يسمى الاجوف ، ثم تتصفى منه المائية التي إنما بقيت فيه لتعينه على النفوذ في المسالك الضيقة إلى عرق نازل إلى الكليتين وتصحب معها من الدم ما يكون غذاء صالحا للكليتين وتنحدر المائية إلى المثانة ثم إلى الإحليل ثم ينقسم الدم في البدن على انقسام العروق المتشعبة من الاجوف فينهضم فيها هضماً ثالثاً ثم يرشح من فوهات العروق الدقاق الشعرية في الأعضاء فيغذوها ولكل عضو مع نصيبه من الغذاء هضم رابع . ففضل الهضم الأول الذي يكون في المعدة يندفع من طريق الأمعاء برازا ، وفضل الهضم الثاني في الكبد يندفع من طريق البول وإلى المرارة والطحال وإلى ما ينبث من البلغم في الأعضاء . وفضل الهضمين الآخرين يندفع بالتحلل الخفي وبالعرق والوسخ وإلى ما ينبت من زوائد البدن كالشعر والظفر . وهذه الاخلاط تكثر ويقل بعضها دون بعض في أبدان دون أبدان وذلك أما بحسب البدن أو بحسب الغذاء أو بحسبهما . أما بحسب البدن فان من الأبدان ما يحيل أكثر ما يرد عليه من الغذاء دماً وإن بعد عن طبيعة الدموية أو صفراء أو بلغماً أو سوداء . وأما بحسب الغذاء فان من الأغذية ما شأنه أن يستحيل أكثره دماً وإن لم يكن البدن من شأنه توليده أو صفراء أو بلغماً أو سوداء . وأما بحسبهما فان يكون البدن والغذاء من شأنهما توليد ذلك الخلط فينبغي أن يقام كل غذاء بإزاء مستحقه من الأبدان .