محمد بن زكريا الرازي
44
كتاب ما الفارق ( الفروق ) ( كلام في الفروق بين الأمراض )
الثامن : يقول ابن سينا ( القانون - ج 3 - ص : 77 ) في تعريف البحران Crise « معناه الفصل في الخطاب . وتأويله يكون دفعه : إما إلى جانب الصحة ، وإما إلى جانب المرض » . والمقصود : ان البحران هو اللحظة التي يتخذ الداء فيها مسيرة حميدة أو سيئة . فإما أن يشفى المريض ، أو تسوء حالته ، ولكل حالة علامات خاصة . وقد يتحول الداء إلى مكان آخر ، إذا لم يستطع البدن أن يقضي عليه قضاء تاما . وهكذا : يسيل القيح من الأذن ، في بحران الرأس ، مثلا . ولا يزال الناس في بلادنا يعتقدون : ان سيلان الدم ( كالرعاف ) ، أو القيء أو الصديد علائم جيدة لتطور المرض . وثمة أساس صحيح لهذه الفكرة ، ففي مثلنا عن سيلان الأذن ، فإذا كانت الإصابة التهاب اذن وسطى حاد متقيح Otite Moyenne Aigue Suppuree ، حدث ألم اذن شديد ولكنه يخف كثيرا عندما تسيل الأذن . والصداع البحراني ، حسب هذا الاعتقاد ، هو الذي يظهر عند نضج العلة وميل الداء إلى الجهة العالية ، أي الرأس ، وشفاء المرض الأساسي أو نقصانه . وفي القانون وصف رائع للبحران . إذ يشبّه ابن سينا المرض بعدو خارجي يهاجم مدينة ، فيدور قتال بينه وبين السلطان حامي المدينة . ويكون البحران بحسب نتيجة القتال . وهي في رأينا ، قطعة رائعة من الأدب الطبي .