محمد بن زكريا الرازي

تصدير 12

كتاب ما الفارق ( الفروق ) ( كلام في الفروق بين الأمراض )

- ك - ولقد لاحظ ابقراط ان لكل مرض سير وتطور مقنّن فله ابتداء ، وصعود ، ونهاية وإنحطاط وتكون النهاية بالشفاء أو الاختلاطات والموت . وان الجسم قادر على الدفاع عن نفسه بنفسه . لذلك كان على الطبيب أن يراقب الداء وسيره ويقدر زمن البحران Crise وظهوره وهو الوقت الذي يتغير فيه سير الداء وتطوره ، وهنا عليه أن يتدخل ليمنع التطور نحو الأسوأ . لان في الانسان قوة طبيعية شافية Vis Medicatrix Naturae يجب احترامها ومساعدتها . وكانوا يعتقدون ان عملية الحياة هي طبخ وانضاج لهذه السوائل فإذا لم تنضج أو زادت في نضجها فيكون الاحتراق ومنه تتكون أبخرة تنتقل إلى الدماغ في الأوعية أو عن طريق الأعصاب . واعتقدوا أن الجسم الانساني مركب من ثلاثة أجناس من الأجسام : السوائل وهي الاخلاط اي الدم والبلغم والصفراء والسوداء . والجوامد وهي : العظم والغضروف والجلد واللحم وغيره . والأرواح وهي الأبخرة التي فيه . أما فساد المزاج في الأعضاء فيعني فساد وظيفة العضو . وتدخّل الطبيب هو إزالة المواد السقيمة ( الفضول ) بواسطة القيء أو الاسهال أو الفصد ، أو التبول أو الخرّاج . وكان امبيدوقليس قد وضع مبدأ عاما ينص على أن « المتشابهات تتجاذب ، بينما تتنافر الاضداد » الا ان ابقراط وضع مبدأ آخر بالنسبة للمعالجة وهو ان « تشفى الآلام بالاضداد » وان « تطبيق المتشابهات يدفع المرض نحو الشفاء » بينما قال جالينوس : « ان الاضداد تشفى بالاضداد » . هذا ولم يكن لديهم مجهر لمعرفة الجراثيم ودراسة التشريح المرضي . وكان فتح الجثة Autopsie بعد الموت ممنوعا لأسباب دينية ، مما كان يعرقل تفهمهم لآلية وأسباب الأمراض ، رغم ان انطباع الكثيرين ، وأنا منهم ، انهم كانوا يقومون سرا ، وفي حالات محدودة ، بتشريح الجثث . كذلك كانوا يجهلون الكيمياء الحيوية .