ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

95

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ذكر التصاوير التي في الإيوان ، وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم فصوّروا صورة مدينة أنطاكية في الإيوان وحرب الروم والفرس عليها ؛ فمما ذكره في ذلك قوله : وإذا ما رأيت صورة أنطا * كيّة ارتعت بين روم وفرس والمنايا مواثل وأنوشر * وان يزجي الصّفوف تحت الدّرفس « 1 » في اخضرار من اللّباس على أص * فر يختال في صبيغة ورس فقوله « على أصفر » أي : على فرس أصفر ، وهذا مفهوم من قرينة الحال ؛ لأنه لما قال « على أصفر » علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر . والصفة تأتي في الكلام على ضربين : إما للتأكيد والتخصيص ، وإما للمدح والذم ، وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل ، لا من مقامات الإيجاز والاختصار ، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به ، هذا ، مع ما ينضاف إليه من الالتباس وضد البيان ، ألا ترى أنك إذا قلت : مررت بطويل ، لم يبن من هذا اللفظ الممرور به إنسان هو أم رمح أم ثوب أم غير ذلك ، وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه أو شهدت به الحال ، وإذا استبهم كان حذفه غير لائق . ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه ، وذاك أن تكون الصفة جملة ، نحو : مررت برجل قام أبوه ، ولقيت غلاما وجهه حسن ، ألا تراك لو قلت : مررت بقام أبوه ، ولقيت وجهه حسن ؛ لم يجز . وقد ورد حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم ، كقوله تعالى : وآتينا ثمود الناقة مبصرة فإنه لم يرد أن الناقة كانت

--> ( 1 ) وقع هذا البيت في ب ، ج محرفا تحريفا شنيعا ، ونحن نثبته لك على صورته الصحيحة ، ونذكر لك هاهنا صورته فيهما لتعرف مقدار الفساد الذي أصابه ، فقد ورد على هذه الصورة : والمنايا مواثل وأنوشر * وان يرمي الصفوف تحت الدرس والدرفس : اسم راية أنوشروان .