ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

82

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وليس بشيء ؛ لأن المعنى لا يصح به ، وكنت سئلت عن معناه ، وقيل : كيف ينطبق عجز البيت على صدره ، وإذا تجنب الآثام وخافها فكيف تكون حسناته آثاما ؟ فأفكرت فيه وأنعمت نظري فسنح لي في القرآن الكريم آية مثله ، وهي قوله تعالى : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة وفي صدر البيت إضمار فسّر في عجزه ، وتقديره أنه يتجنب الآثام فيكون قد أتى بحسنة ، ثم يخاف تلك الحسنة ، فكأنما حسناته آثام ، وهو على طباق الآية سواء . ومن الإضمار على شريطة التفسير قول أبي نواس : سنّة العشّاق واحدة * فإذا أحببت فاستكن فحذف لفظ الاستكانة من الأول ، وذكره في الثاني : أي سنة العشاق واحدة ، وهي الاستكانة ، فإذا أحببت فاستكن ، ومن الناس من يقول : « فإذا أحببت فاستنن » وهذا لا معنى له ؛ لأنه إذا لم يبين سنة العشاق ما هي فبأي شيء يستنّ المستنّ منها ؛ لكنه ذكر السنة في صدر البيت من غير بيان ثم بينها في عجزه . الضرب الرابع : ما ليس بسبب ولا مسبب ، ولا إضمار على شريطة التفسير ، ولا استئناف . فأما ما حذف فيه من الجمل المفيدة ، فكقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام : قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون . ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون . ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون . وقال الملك ائتوني به قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة ، تقديرها : فرجع الرسول إليهم فأخبرهم بمقالة يوسف ، فعجبوا لها ، أو فصدقوه عليها ، وقال الملك ائتوني به ، والمحذوف إذا كان كذلك دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة ؛ لأنه إذا ثبتت حاشيتا الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف ؛ دلالة الحاشيتين عليه . وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا : فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا . قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون . قالوا يا أبانا