ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

80

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فقوله ولنجعله آية للناس تعليل معلّله محذوف : أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس ، فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله ، وهو جعله آية للناس ، ودل به على المسبب الذي هو الفعل . ومما ورد من ذلك في الأخبار النبوية قصة الزبير بن العوام رضي اللّه عنه والرجل الأنصاري الذي خاصمه في شراح الحرة التي يسقي منها النخل ، فلما حضرا بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال للزبير : « اسق ثمّ أرسل الماء إلى جارك » فغضب الأنصاري ، وقال : يا رسول اللّه ؛ أن كان ابن عمتك ، فتلوّن وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : « اسق يا زبير ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر » وفي هذا الكلام محذوف تقديره : أن كان ابن عمتك حكمت له ، أو قضيت له ، أو ما جرى هذا المجرى ، فذكر السبب الذي هو كونه ابن عمته ، ودل به على المسبب الذي هو الحكم أو القضاء ؛ لدلالة الكلام عليه . وأما الاكتفاء بالمسبب عن السبب فكقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أي : إذا أردت قراءة القرآن ، فاكتفى بالمسبب الذي هو القراءة عن السبب الذي هو الإرادة ، والدليل على ذلك أنّ الاستعاذة قبل القراءة ، والذي دلّت عليه أنها بعد القراءة ، كقول القائل : إذا ضربت زيدا فاجلس ؛ فإن الجلوس إنما يكون بعد الضرب ، لا قبله ، وهذا أولى من تأول من ذهب إلى أنه أراد فإذا تعوذت فاقرأ ، فإن ذلك قلبا لا ضرورة تدعو إليه ، وأيضا فليس كل مستعيذ واجبة عليه القراءة . وعلى هذا ورد قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم والوضوء إنما يكون قبل الصلاة ، لا عند القيام إليها ؛ لأن القيام إليها هو مباشرة لأفعالها من الركوع والسجود والقراءة وغير ذلك ، وهذا إنما يكون بعد الوضوء ، وتأويل الآية إذا أردت القيام إلى الصلاة فاغسل ، فاكتفى بالمسبب عن السبب . وكذلك ورد قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فليتوضّأ » أي : إذا أراد القيام إلى الصلاة ، وإنما يعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة ، وهو مع القصد إليه موجود ، فكان منه بسبب وملابسة ظاهرة .